صيدنايا في مرمى الاتهامات الجماعية... كيف يتحوّل خطاب الكراهية إلى تهديد للسلم الأهلي في سوريا؟

06/20/2026 - 21:42 PM

Prestige Jewelry

 

من مغارةٍ على طريق صيدنايا إلى حملة تحريض واسعة... الحقيقة بين الوقائع والشائعات

  

دمشف - صيدنايا - تحقيق الاب البر حبيب عساف

في وقتٍ تحاول فيه سوريا لملمة جراح سنوات الحرب الطويلة واستعادة الحدّ الأدنى من الثقة بين مكوّناتها الاجتماعية والدينية، تعود قضية صيدنايا إلى الواجهة لتكشف حجم التحديات التي لا تزال تهدّد السلم الأهلي، وفي مقدّمتها تنامي خطاب الكراهية والتحريض الطائفي الذي يجد في وسائل التواصل الاجتماعي أرضًا خصبة للانتشار والتأثير.

ففي الأيام الأخيرة، تصاعدت حملات الاتهام والتحريض ضدّ أهالي مدينة صيدنايا، المدينة المعروفة بتاريخها الديني العريق واحتضانها لأحد أبرز الأديرة المسيحية في الشرق، وذلك على خلفية العثور على عدد من الجثامين داخل مغارة تقع على الطريق المؤدية إلى البلدة.

وبينما سارعت بعض الصفحات والمنصّات إلى تقديم روايات تتهم سكان المدينة جماعيًا بالوقوف وراء ما وصفته بـ"مقبرة جماعية"، برزت أصوات محلية تدعو إلى التريث والابتعاد عن إطلاق الأحكام المسبقة، محذّرة من خطورة تحويل حادثة محدودة إلى مادة لإشعال الفتن بين أبناء المنطقة الواحدة.

من أين بدأت القصة؟

بحسب مصادر محلية مطّلعة، فإنّ القضية بدأت بعد العثور على عدد محدود من الجثامين داخل مغارة معروفة في المنطقة. وسرعان ما انتشرت روايات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تزعم أنّ المغارة تضم رفات عدد كبير من أبناء المناطق المجاورة الذين فُقدوا خلال سنوات الحرب، مع تحميل أهالي صيدنايا مسؤولية ذلك.

غير أنّ المصادر نفسها تؤكد أنّ الوقائع المتداولة تختلف كثيرًا عن الروايات المنتشرة، مشيرة إلى أنّ عدد الجثامين لا يتجاوز أربع أو خمس جثث، وأنّ بعضها يعود إلى مسلحين دخلوا المدينة عام 2014 خلال إحدى أكثر مراحل الصراع السوري تعقيدًا وخطورة.

وتضيف المصادر أنّ هؤلاء المسلحين أقدموا آنذاك على قتل حدّاد كان يعمل في دير الشيروبيم، قبل أن تتم ملاحقتهم من قبل عناصر تابعة للحرس الجمهوري، الذين اشتبكوا معهم وأردوهم قتلى خارج المدينة.

وبحسب الرواية المحلية، فإنّ الأهالي لم يكونوا طرفًا في تلك المواجهة، كما أنّ الجثامين بقيت لفترة دون أن يتم استلامها من الجهات الرسمية المختصة، ما دفع بعض أبناء المنطقة إلى نقلها إلى المغارة منعًا لتركها مكشوفة في العراء.

خطاب الكراهية يعود بقوة

لكنّ ما كان يمكن أن يبقى قضية جنائية أو ملفًا يحتاج إلى تحقيق رسمي، تحوّل سريعًا إلى مادة للتحريض الجماعي. فقد بدأت اتهامات واسعة تطال سكان صيدنايا ككل، لا أفرادًا محددين، وربطت بين المدينة وأحداث شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية.

ويرى مراقبون أنّ الخطورة لا تكمن في الاتهامات بحدّ ذاتها فحسب، بل في الطريقة التي تُوجَّه بها، إذ يجري تحميل مجتمع كامل مسؤولية أحداث لم تثبت علاقته بها، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الانقسامات الطائفية التي دفعت سوريا ثمنها باهظًا خلال الحرب.

ويحذّر ناشطون مدنيون من أنّ الخطاب الذي يتنامى اليوم ضدّ صيدنايا قد يمتدّ إلى مناطق أخرى تضمّ أقليات دينية أو مذهبية، ما يهدّد بإحياء مشاعر الخوف والقلق التي سادت خلال سنوات النزاع.

استهداف المناطق ذات التنوّع الديني

لا تقتصر المخاوف على صيدنايا وحدها. فبحسب متابعين للشأن السوري، تشهد بعض المناطق التي تضمّ حضورًا مسيحيًا أو درزيًا أو علويًا حملات تشكيك واتهام متزايدة على خلفية أحداث الحرب.

ويؤكد خبراء اجتماعيون أنّ أخطر ما تفرزه الحروب ليس الدمار المادي فقط، بل الروايات المتناقضة التي تبقى حيّة في ذاكرة المجتمعات لعقود طويلة، وتتحول مع الوقت إلى أدوات تعبئة وتحريض إذا لم تُعالَج بالحقيقة والعدالة والمصارحة.

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة وطنية شاملة تقوم على التحقيقات القضائية المستقلة وكشف الحقائق بعيدًا عن منطق الانتقام الجماعي أو التعميم على أساس الانتماء الديني أو المناطقي.

 ‫دير سيّدة صيدنايا... قصّة مزار مغلّف ...‬‎      ‫صيدنايا: في سوريا إرث من الألم يبحث عن ...‬‎

مبادرات لاحتواء الاحتقان

ورغم أجواء التوتر، برزت خلال الأيام الماضية خطوات تهدف إلى تهدئة الأوضاع والحفاظ على العلاقات التاريخية بين أبناء المنطقة. ومن أبرز هذه الخطوات زيارة رئيس بلدية بلدة "بدّا" إلى صيدنايا برفقة وفد محلي، حيث التقى فعاليات دينية واجتماعية في المدينة وفي ديرها الشهير، في رسالة تؤكد أهمية الحفاظ على العيش المشترك ورفض محاولات بث الفرقة بين السوريين.

ويرى متابعون أنّ مثل هذه المبادرات تكتسب أهمية استثنائية في هذه المرحلة، لأنها تعيد التذكير بأنّ العلاقات بين المجتمعات المحلية غالبًا ما تكون أقوى من الحملات الإلكترونية التي تسعى إلى تأجيج الخلافات.

سوريا أمام اختبار المصالحة الحقيقي

بعد أكثر من خمسة عشر عامًا من الحرب والأزمات، تجد سوريا نفسها أمام تحدٍّ لا يقلّ أهمية عن إعادة الإعمار أو تحسين الوضع الاقتصادي، وهو إعادة بناء الثقة بين أبنائها.

فالمصالحة الحقيقية لا تتحقق فقط بوقف إطلاق النار أو بعودة المؤسسات، بل تحتاج إلى بيئة اجتماعية ترفض الكراهية والتحريض، وتحترم مبدأ المسؤولية الفردية بدلًا من إدانة الجماعات بأكملها.

وفي ظلّ ما تشهده قضية صيدنايا من سجال واسع، تبدو الرسالة الأهم أنّ الحقيقة لا يمكن أن تُبنى على الشائعات، وأنّ العدالة لا يمكن أن تتحقق عبر الاتهامات الجماعية، وأنّ مستقبل سوريا سيبقى مرهونًا بقدرتها على حماية تنوعها التاريخي ومنع خطاب الكراهية من التحول إلى وقودٍ لصراعات جديدة.

تكشف قضية صيدنايا أنّ الجرح السوري لم يلتئم بعد، وأنّ معركة السوريين اليوم لم تعد عسكرية بقدر ما أصبحت معركة ضدّ الانقسام والذاكرة المثقلة بالأوجاع. وبين روايات الماضي وحقائق الحاضر، يبقى الرهان على وعي السوريين وقدرتهم على رفض التعميم والكراهية، والتمسك بقيم العيش المشترك التي شكّلت على مدى قرون أحد أهم عناصر قوة المجتمع السوري وتنوعه.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment