مفيد خطّار
المهزومُ لا يلبثُ أن يبحثَ في أنقاضِ هزيمتِه عن انتصارٍ يُؤجِّلُ مواجهةَ الحقيقة. غيرَ أنّ الخطرَ لا يكمنُ في الهزيمةِ ذاتِها، بل في القدرةِ على إنكارِها وتغليفِها بلغةِ نصرٍ مُصطنَع. فحين تُستبدَلُ المراجعةُ بالدعاية، وتُزاحُ الوقائعُ لصالحِ رواياتٍ جاهزة، تُصبحُ الحقيقةُ أوّلَ ما يُهزَم.
وثقافةُ «الانتصارِ الدائم» ليست بالضرورةِ علامةَ قوّة، بل قد تكونُ دليلًا على عجزٍ عن الاعترافِ بالخسارةِ واستيعابِ دروسِها. فالهزيمةُ التي تُواجَهُ بوعيٍ نقديٍّ قد تتحوّلُ إلى بدايةِ تصحيحٍ ونهوض، أمّا الهزيمةُ التي تُنكَرُ وتُزيَّنُ بالشعارات، فإنّها لا تتأخّرُ في العودةِ بأشكالٍ أكثرَ تعقيدًا، وكأنّها تُعيدُ إنتاجَ نفسِها تحتَ أسماءٍ جديدة.
في المقابل، لا يُقاسُ الانتصارُ الحقيقيّ بكمّيةِ ما يُعلَن، بل بقدرةِ أصحابِه على مواجهةِ ذواتِهم قبلَ مواجهةِ خصومِهم. أولئك ينتمون إلى الحقيقةِ لا إلى الوهم؛ يقرؤون التجربةَ بعيونٍ نقديّةٍ لا بعيونٍ تبريريّة، ويستخرجون من الفشلِ دروسًا لا شعارات. فالنصرُ الأعمقُ هو الانتصارُ على الخطأ قبلَ الانتصارِ على الآخر، وعلى الوهمِ قبلَ الانتصارِ في ساحةِ الصراع.
لكنّ الصورةَ تزدادُ تعقيدًا حين يُختزَلُ القرارُ الوطنيّ داخلَ دوائرِ تأثيرٍ خارجيّة، فلا يعودُ معيارُ الربحِ والخسارةِ نابعًا من المصلحةِ الوطنيّة، بل من حساباتٍ تُرسَمُ خارجَ الحدود. عندها يفقدُ الفعلُ السياسيّ قدرتَه على تعريفِ نفسِه، ويُصبحُ أقربَ إلى إدارةِ نتائجَ صيغت في الخارجِ منه إلى صناعةِ قرارٍ مستقلّ.
وفي هذه الحال، لا تُقرأ الوقائعُ من داخلِ المجتمع، بل تُستعارُ قراءتُها من خارجِه، فيُعادُ تعريفُ الانتصارِ والهزيمةِ وفقَ ميزانٍ لا يعكسُ حقيقةَ الداخلِ ولا حاجاتِه. وهكذا تتقدّمُ الشعاراتُ على الوقائع، وتعلو الانطباعاتُ على الحقائق، ويختلطُ النصرُ بوهمِ التبرير، والخسارةُ بصمتِ الإنكار.
وفي لحظةٍ لبنانيّةٍ مأزومة، تتراكمُ فيها خطاباتُ «الإنجاز» فوقَ أرضٍ مُثقَلةٍ بالأزماتِ الاقتصاديّةِ والاجتماعيّةِ والمعيشيّة، يغدو السؤالُ أكثرَ إلحاحًا من أيِّ وقتٍ مضى:
هل يُقاسُ الانتصارُ بقدرةِ الناسِ على الصمودِ والعيشِ بكرامة، أم بارتفاعِ منسوبِ الخطابِ ووفرةِ الشعارات؟
وحين تُعلِنُ بعضُ القوى انتصاراتٍ متتالية، يبقى السؤالُ الذي يفرضُ نفسَه:
أين تحقّقَ هذا الانتصار؟ وما طبيعتُه أصلًا؟
هل ظهرَ في حياةِ الناس، وفي اقتصادِهم، وفي قدرتِهم على بناءِ مستقبلٍ أكثرَ استقرارًا؟ أم أنّه بقي حبيسَ المنابرِ والخطابات؟
فقد يكونُ أخطرُ أشكالِ الهزيمةِ تلك التي تنجحُ في إقناعِ أصحابِها بأنّها انتصار، فيما تستمرُّ بالتقدّمِ بصمتٍ داخلَ تفاصيلِ الحياةِ اليوميّة، من دونِ أن تجدَ مَن يملكُ شجاعةَ الاعترافِ بها.










06/20/2026 - 20:45 PM





Comments