خطورة ما يدور حولنا!

06/20/2026 - 16:13 PM

Prestige Jewelry

 

 

الدكتور نادرة ناصيف

أحيانًا أتخيل أن عاد الى الحياة أحد حكماء الحضارات القديمة فجأة ووقف بيننا اليوم. هل كان سينبهر بالطائرات أكثر أم بالأقمار الصناعية؟ ، واما ستكون دهشته أكبر أمام الذكاء الاصطناعي أم أمام قدرة الإنسان على اختصار العالم كله داخل جهاز صغير يحمله في جيبه!؟ واتخيله بعد أن تنتهي لحظات الدهشة الأولى، وبعد أن يلتقط أنفاسه من هول ما يراه، سيلتفت إلينا ويسأل سؤالًا واحدًا فقط: هل أصبح الإنسان أفضل؟

كلما فكرت بهذا السؤال شعرت أن الحضارة كلها تتوقف للحظة. فالبشرية لم تكن يومًا بهذا الذكاء، ولم تمتلك يومًا هذا الكم الهائل من المعرفة، ولم تستطع في أي مرحلة من تاريخها أن تسيطر على الطبيعة كما تفعل اليوم. لقد نجح الإنسان في اختراق أسرار الجسد، وفك بعض شيفرات الحياة، والوصول إلى أماكن كان ينظر إليها يومًا على أنها عالم الآلهة. ومع ذلك، ما زلت أقرأ الأخبار نفسها التي كان يمكن أن يقرأها إنسان قبل آلاف السنين، فقط بأسماء مختلفة وأدوات أكثر تطورًا. ما زال هناك من يقتل، ومن يظلم، ومن يستغل، ومن يحتكر، ومن يقنع نفسه أن مصلحته أهم من مصير الآخرين.

وهنا يبدأ القلق الحقيقي. فالمشكلة لم تعد في قدرة الإنسان على الفعل، بل في قدرته على ضبط نفسه وهو يفعل. لقد تعلمنا كيف نصل إلى القمر قبل أن نتعلم كيف نعيش بسلام على الأرض. وتعلمنا كيف نطيل عمر الإنسان قبل أن نتعلم كيف نجعل حياته أكثر كرامة. وتعلمنا كيف نتحدث مع العالم كله في اللحظة نفسها، لكننا لم نتعلم كيف نصغي لبعضنا بعضًا. وكأن العقل كان يركض بأقصى سرعته بينما الضمير يسير بخطوات متثاقلة خلفه.

وربما لهذا السبب لا أخشى الجهل بقدر ما أخشى المعرفة عندما تنفصل عن الحكمة. فالجهل محدود بحدود صاحبه، أما المعرفة فحين تقع في يد ضمير لم ينضج بعد ان تصبح قوة هائلة يصعب التنبؤ بعواقبها. فالسكين التي تنقذ مريضًا في غرفة العمليات هي نفسها التي قد تنهي حياة إنسان في لحظة غضب. والتكنولوجيا التي تقرب البشر من بعضهم هي نفسها التي تستطيع أن تنشر الكراهية بسرعة لم يعرفها التاريخ من قبل. والذكاء الاصطناعي الذي يعد بمستقبل مذهل قد يصبح في الوقت نفسه أداة جديدة للسيطرة والتوجيه وإعادة تشكيل الوعي الإنساني.

كل ذلك يجعلني أتساءل إن كنا نخلط أحيانًا بين التقدم والنمو. فالتقدم يعني أن نملك أدوات أكثر تطورًا، أما النمو فيعني أن نصبح أكثر نضجًا في استخدام تلك الأدوات. وليس بالضرورة أن يحدث الأمران معًا. فالإنسان الذي يمتلك قوة أكبر لا يصبح تلقائيًا أكثر حكمة، كما أن الحضارة التي تنتج معرفة أكثر لا تصبح بالضرورة أكثر أخلاقية. وربما هنا تكمن المعضلة التي رافقت البشرية منذ بداياتها: لقد كان من الأسهل دائمًا تطوير الأدوات من تطوير الذات.

ولهذا حين أنظر إلى التاريخ لا أراه قصة انتصارات علمية فقط، بل أراه سباقًا طويلًا بين العقل والضمير. العقل يكتشف ويبتكر ويخترع ويتجاوز الحدود، بينما يحاول الضمير أن يواكب هذه السرعة وأن يجيب عن السؤال الأصعب: ماذا سنفعل بكل هذه القوة؟ فالعلم يخبرنا كيف نصنع الأشياء، لكنه لا يخبرنا لماذا نصنعها. والعلم يستطيع أن يمنحنا الوسائل، لكنه لا يمنحنا الغايات. ولذلك بقي الإنسان، رغم كل ما حققه، محتاجًا إلى شيء أعمق من المعرفة؛ محتاجًا إلى الحكمة التي تمنعه من تحويل إنجازاته إلى أدوات ضد نفسه.

أحيانًا أشعر أن أكبر إنجاز حققته البشرية لم يكن اختراع العجلة ولا اكتشاف الكهرباء ولا الوصول إلى الفضاء، بل تلك اللحظة النادرة التي انتصر فيها الضمير على المصلحة. اللحظة التي قرر فيها إنسان أن يكون عادلًا رغم قدرته على الظلم، أو رحيمًا رغم قدرته على القسوة، أو صادقًا رغم أن الكذب كان أسهل وأكثر ربحًا. ففي تلك اللحظات بالذات يتقدم الإنسان أخلاقيًا، لا عندما يضيف اختراعًا جديدًا إلى سجل إنجازاته.

ولهذا أعود دائمًا إلى السؤال نفسه: هل تطور الإنسان علميًا أسرع مما تطور أخلاقيًا؟ وكلما تأملت العالم من حولي وجدت أن الإجابة ليست بسيطة كما تبدو. نعم، لقد تقدمنا بطريقة تكاد تكون معجزة، لكننا ما زلنا نحمل في داخلنا الإنسان القديم نفسه، بخوفه وطمعه ورغبته في السيطرة وحاجته إلى الشعور بالتفوق. الفرق الوحيد أن أدواته أصبحت أكبر بكثير من غرائزه. ولهذا لم يعد مستقبل البشرية متعلقًا بما سنكتشفه غدًا بقدر ما هو متعلق بما سنصبحه عليه نحن.

المشكلة الحقيقية ليست أن الإنسان لا يعرف ما يكفي، بل أنه يعرف أكثر فأكثر بينما ما زال يتعلم ببطء شديد كيف يكون إنسانًا. وربما يكون السؤال الذي سيحدد مصير هذا العالم في النهاية ليس إلى أي كوكب سنصل، ولا أي تقنية سنبتكر، بل ما إذا كان الضمير سينجح يومًا في اللحاق بالعقل قبل أن تسبقنا قوتنا إلى مكان لا نستطيع العودة منه. وتصبح القوة بأن ينتظر اهدهما الآخر رفقا بنا.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment