ضغوط أميركية لنزع السلاح… ولبنان يتمسّك بوقف النار الشامل
بيروت - تحقيق اخباري من اعداد جورج ديب
تتجه الأنظار مجدداً نحو العاصمة الأميركية واشنطن التي تستعد لاحتضان جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية بين 23 و25 يونيو (حزيران)، في محطة دبلوماسية تُعد من الأكثر حساسية منذ سنوات، نظراً لتزامنها مع تصعيد ميداني خطير على الحدود الجنوبية، وضغوط دولية متزايدة، وتقاطعات إقليمية تجعل من هذا الملف واحداً من أعقد الملفات في الشرق الأوسط. الإعلان الأميركي جاء عقب اتصال هاتفي بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والرئيس اللبناني جوزاف عون، حيث شدد روبيو على ضرورة نزع سلاح حزب الله، مؤكداً دعم بلاده لجهود الحكومة اللبنانية الرامية إلى بناء دولة ذات سيادة كاملة تعيش في سلام مع جميع جيرانها، في موقف يعكس استمرار النهج الأميركي التقليدي تجاه دور حزب الله وسلاحه، لكنه يأتي اليوم في لحظة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.
وبحسب المتحدث باسم الخارجية الأميركية تومي بيغوت، فإن روبيو أعاد التأكيد على أن نزع السلاح يشكل محوراً أساسياً في أي رؤية أميركية لإعادة ترتيب الوضع اللبناني، خصوصاً في ظل المخاوف المتزايدة من توسع دائرة الحرب في المنطقة، وتداعياتها على الاستقرار الإقليمي. وفي السياق نفسه، كشفت مصادر مطلعة أن المفاوضات المقبلة ستتناول بحث تحديد "مناطق تجريبية" ضمن خطة لتفكيك سلاح حزب الله عبر الجيش اللبناني، وفق ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية.
وتشير المعلومات إلى أن هذه المناطق ستكون في مواقع يتمركز فيها الجيش الإسرائيلي حالياً، ما قد يمهد لانسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية من أجزاء من الشريط الحدودي، في خطوة تُعد اختباراً لقدرة الجيش اللبناني على الإمساك بالأرض، وقياساً لمدى استعداد حزب الله للقبول بخطوات تدريجية قد تُعد مقدمة لمسار أطول يهدف إلى تقليص نفوذه العسكري جنوباً.
غير أن هذا الطرح يواجه تحديات كبيرة، أبرزها غياب الثقة المتبادلة بين الأطراف، والانقسام الداخلي اللبناني حول دور حزب الله وسلاحه، إضافة إلى الخشية من أن تتحول المناطق التجريبية إلى خطوط تماس جديدة بدل أن تكون خطوة نحو التهدئة، فضلاً عن التدخلات الإقليمية، ولا سيما من إيران التي تعتبر سلاح حزب الله جزءاً من منظومة الردع الإقليمي. وفي المقابل، شدد الرئيس اللبناني جوزاف عون خلال اتصاله مع وزير الخارجية الأميركي على أن وقف إطلاق النار الشامل يُعد "ركيزة أساسية" لأي تقدم في المفاوضات الجارية، مؤكداً أن وقف الاعتداءات الإسرائيلية هو الشرط الأول لدفع مسار المفاوضات اللبنانية-الأميركية-الإسرائيلية قدماً، وأن أي نقاش حول ترتيبات أمنية أو سياسية لا يمكن أن يتم بينما القصف مستمر والدماء تسيل.
هذا الموقف يعكس رؤية لبنانية رسمية تعتبر أن التهدئة الميدانية شرط للتفاوض الجدي، وأن أي انسحاب إسرائيلي يجب أن يكون جزءاً من اتفاق شامل وليس خطوة منفردة، وأن الجيش اللبناني لا يمكنه الانتشار جنوباً في ظل استمرار العمليات العسكرية، وأن ملف السلاح مرتبط بالسيادة الوطنية ولا يمكن التعامل معه كشرط مسبق. وتؤكد مصادر سياسية لبنانية أن الرئيس عون يسعى إلى تثبيت معادلة واضحة مفادها "لا نزع سلاح تحت النار"، وهي معادلة تحظى بدعم جزء كبير من القوى السياسية، حتى تلك التي تختلف مع حزب الله في ملفات أخرى.
وجاء الإعلان عن موعد الجولة الجديدة بعد يوم دامٍ شهدته الحدود الجنوبية، حيث أسفر قصف إسرائيلي عن مقتل 47 شخصاً على الأقل، بعد ساعات من إعلان الجيش الإسرائيلي مقتل أربعة من جنوده بنيران حزب الله، في تصعيد يهدد بتقويض أي تقدم دبلوماسي، خصوصاً أن الطرفين يبدوان في مرحلة "عضّ أصابع" ميدانية يسعى كل منهما خلالها إلى تحسين شروط التفاوض.
وتشير تقارير أمنية إلى أن إسرائيل كثفت ضرباتها في الأيام الأخيرة بهدف الضغط على حزب الله قبل جولة واشنطن، وإرسال رسالة إلى الولايات المتحدة بأنها غير مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة، واختبار قدرة الحزب على الرد دون الانجرار إلى حرب شاملة. في المقابل، يرى محللون أن حزب الله يحاول الحفاظ على "معادلة الردع" دون الذهاب إلى مواجهة واسعة، مستفيداً من الدعم الإيراني ومن حالة الغضب الشعبي في لبنان والمنطقة تجاه السياسات الإسرائيلية.
وفي خضم هذا التصعيد، أفاد مسؤول أميركي بأن الطرفين توصلا إلى هدنة جديدة، في وقت يشهد فيه الملف اللبناني-الإسرائيلي تصعيداً متقطعاً يهدد استقرار التفاهمات الجارية. وتأتي هذه الهدنة نتيجة ضغوط أميركية مباشرة ووساطات أوروبية ومحاولات من الأمم المتحدة لمنع انزلاق الوضع إلى حرب شاملة، غير أن الهُدن السابقة أثبتت أنها قصيرة العمر وقابلة للانهيار عند أول احتكاك، وأنها ترتبط بحسابات سياسية أكثر منها عسكرية، وتُستخدم أحياناً كاستراحة تكتيكية للطرفين.
وتواجه الإدارة الأميركية معضلة حقيقية في هذا الملف، فهي من جهة تريد منع توسع الحرب في المنطقة والحفاظ على أمن إسرائيل وإعادة بناء الدولة اللبنانية وتقليص نفوذ إيران، ومن جهة أخرى تدرك أن نزع سلاح حزب الله بالقوة غير ممكن، وأن الجيش اللبناني محدود القدرات، وأن الانقسام الداخلي اللبناني يجعل أي اتفاق هشاً، وأن إيران لن تتخلى عن ورقة حزب الله بسهولة. لذلك، تسعى واشنطن إلى "حل وسط" يقوم على خطوات تدريجية ومناطق تجريبية وانسحابات جزئية وضمانات أمنية ودعم اقتصادي للبنان.
أما في الداخل اللبناني، فتبدو الصورة أكثر تعقيداً، إذ يعيش لبنان أزمة اقتصادية غير مسبوقة وانهياراً مالياً مستمراً وشللاً سياسياً وانقساماً حول دور حزب الله ونزوحاً واسعاً من الجنوب ودماراً كبيراً في البنى التحتية. وتشير تقارير اقتصادية إلى أن أي حرب واسعة قد تكلف لبنان أكثر من عشرة مليارات دولار في الأسابيع الأولى فقط، وتؤدي إلى نزوح قد يتجاوز نصف مليون شخص، وانهيار إضافي في الليرة اللبنانية، وتوقف شبه كامل للقطاعات الإنتاجية.
وعلى الجانب الإسرائيلي، تعيش الحكومة تحت ضغط الخسائر العسكرية والانتقادات الداخلية والضغوط الأميركية والخوف من حرب متعددة الجبهات والتوتر مع إيران. ويرى محللون أن إسرائيل تريد إضعاف حزب الله دون الدخول في حرب شاملة، وفرض ترتيبات أمنية جديدة على الحدود، والحصول على ضمانات أميركية، وإظهار أنها الطرف الأقوى قبل أي اتفاق.
ومع اقتراب موعد الجولة المقبلة، تبدو الأسئلة أكثر من الإجابات: هل يمكن تحقيق اختراق حقيقي؟ هل ستصمد الهدنة؟ هل يقبل حزب الله بمناطق تجريبية؟ هل تستطيع واشنطن الضغط على إسرائيل؟ هل يملك لبنان القدرة على تنفيذ أي اتفاق؟ وهل يمكن فصل الملف اللبناني عن الحرب في غزة؟ ويرى خبراء دبلوماسيون أن جولة واشنطن قد تكون إما بداية مسار طويل نحو تهدئة مستدامة، أو مجرد محطة إضافية في سلسلة مفاوضات لا تنتهي، لكن المؤكد أن الوقت يضيق، وأن المنطقة تقف على حافة مرحلة جديدة قد ترسم مستقبل الحدود الجنوبية لعقود.











06/20/2026 - 10:19 AM





Comments