شاهد عيان

06/20/2026 - 08:56 AM

Bt adv

 

اميرة العسلي

لم تقتصر المؤتمرات الدولية على مناقشة الحرب على لبنان والاحتلال الإسرائيلي لمنطقة الجنوب فحسب، بل تطرقت أيضًا إلى الوضع الداخلي في البلد والنزاعات القائمة بين الدولة وحزب الله، واشتدّ الإصرار الدولي على نزع سلاح حزب الله، علمًا بأن هذا الملف يتعلق بسيادة الدولة اللبنانية والسلطة الحاكمة. علمًا بأن الدولة لم تتمكن من حسم وضع سلاح حزب الله بسبب الانقسامات الداخلية في مجلس النواب بين وزراء ونواب التابعين لحزب الله ودولة إيران، مما جعل هذا الملف أكثر تعقيدًا. نستطيع أن نقول إن لبنان، السلطة الحاكمة أصلًا، يتخللها انقسامات من الداخل، كما أنها غير متماسكة سوى بالخطابات، والله أعلم بما تخفيه النوايا.

أما علاقات لبنان الدولية، إلى جانب التدخلات الخارجية، ولا سيما من جانب إيران وغيرها، فلم تستطع حسم الأمر جديًا بسبب النزاع مع إسرائيل. لاسيما أن دولة إيران ما زالت تشدد وتصرّ على دعم حزب الله بصيغة غامضة ولغز يثير الكثير من التساؤلات، وكأنها أحجية تحتاج إلى خبير يفكك أسرارها ويكشف لنا أبعادها الحقيقية.

نحن الشعب اللبناني ما زلنا بحاجة إلى خبير سري يفكك غموض الأسرار في لبنان كي نعرف أين نحن مما يحصل في بلدنا!

ومما لا شك فيه أن تاريخ لبنان الجنوب حافل بالحروب والانتصارات والهزائم عبر حقب زمنية متعددة، والتاريخ يشهد على ذلك. أما اليوم، فإن آثار الحرب بين إسرائيل وحزب الله تكاد تفوق الوصف. فقد طال قصف الجيش اليهودي في منطقة الجنوب أحياءً بأكملها، والدمار لا يكاد يوصف، وتفجير العمارات بأكملها نزولًا إلى عمق ما تحت الأرض، وكأن الآليات العسكرية الإسرائيلية تسعى لفتح آبار في عمق الأرض علّها تجد آثار البئر الذي وضع فيه النبي يوسف عليه السلام من قبل إخوته وهو طفل صغير، والحجة إذ إنه كان قد أخبر والده النبي يعقوب عليهما السلام أنه قد رأى الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا كانوا له ساجدين.

الحقد جعل إخوة النبي يوسف قد ضلّوا طريق الصواب، وقد دخلوا في الضلال إذ عزموا على قتل أخيهم الصغير لولا أن عثر عليه أحد السيارة وأخرجه من البئر، كذلك أنقذه الله وأفشل مكيدة إخوته. بعد ذلك ابتُلوا إخوة يوسف بالقحط والحاجة، فشدّوا الرحال إلى مصر يحملون بضاعتهم لبيعها واستبدالها بالقمح والحبوب، ليكتشفوا أن عزيز مصر الذي قصدوه هو أخوهم يوسف نفسه.

فهل يا ترى ما زالت جينات إخوة يوسف لها ضلع في الحرب على لبنان الجنوب؟ وهل ما زالت نوازع الحسد والطمع والأنانية التي عرفتها البشرية منذ القدم تساهم في إشعال الحروب في العالم؟

شاهد عيان: قد يعجز الإنسان عن وصف الدمار الذي نشهده على الساحة اللبنانية، والعقل لا يسعه أن يصدق ما تراه الأعين وما يُسمع عمّا يحصل على أرض الجنوب ومنطقة الضاحية وغيرها من الأبنية التي طالها القصف والدمار. تهدمت المنازل والفيلات والمزارع والبساتين والحقول المزروعة أشجار التين والزيتون، كلها أصبحت كتلة دمار وأرضًا ترابية جرداء. مزارع المواشي والمعامل والمصانع كلها أصبحت في خبر كان، والنتيجة آلاف الشهداء، مئات الآلاف من النازحين، ومليارات الدولارات خسارة في تدمير وهدم، وما زال لبنان قضية الشاطر والمشطور وما بينهما...

أما السكان، فيا حسرة على السكان، فقد بدت على وجوههم آثار الصدمة والوجع تحت وطأة الخوف والدمار. أطفال وشيوخ وشباب يحملون جراحًا عميقة، وكأنهم أصبحوا غير مرئيين في أعين العالم، وكأنهم أصبحوا الآن بعض أشباه البشر.

من يستطيع أن يرمم تلك الكارثة أو يعيد إلى هؤلاء كرامتهم؟ ومن يطفئ نيران البراكين التي لن تنطفئ إلا أن يأتي الطوفان استمدادًا من طوفان النبي نوح عليه السلام، وحمامة السلام لن تجد حينذاك بقعة يابسة كي ترسو عليها سفينة النبي نوح عليه السلام.

يا حسرتاه على أبناء هذا العصر، إن الإنسان في هذا العصر بات يجاور الشر والحرب وكأنها أمر طبيعي، بينما تزين له الأوهام أن بإمكانه بناء مجد فوق أنقاض الآخرين. غير أن التاريخ أثبت أن جميع الجبابرة والعظماء قد انتهوا إلى نفس المصير وهو الفناء، وعادوا إلى خالقهم سبحانه وتعالى.

يتصور البعض أن سطح كوكب الأرض لم يعد يتسع لجميع البشر، لذا عليهم التخلص من بعضهم بعضًا كي يحظوا بحياة أفضل، ويظن أصحاب الحروب أن لهم الحق في قتل البشر وتدمير العمران، بينما يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾.

وفي الحقيقة، فإن الحروب لا تجلب السلام، بل تفتح أبواب المجاعات والأوبئة والفوضى والفساد، وتمتد آثارها إلى الجميع، حتى أولئك الذين أشعلوا نارها في البداية. إنما يريدون طبقة الملوك والزعماء، وبقية الشعوب ستكون من الطبقة العاملة إلا البناءة والمتميزة، ولا وجود للطبقة الأرجوانية ولا الفينيقية...

اليوم نحن في لبنان وقد دخلنا في مرحلة الخوف من المجهول والغيب القادم. فهل سوف تستقر الأمور ويعود الأمان وتتوقف الحروب؟ لعل الزمن يضع حدًا للحرب الإسرائيلية التي تزعم أنها بدأت الحرب مع حزب الله ردًا على تدخلات الحزب لدعم غزة في فلسطين... هناك مثل يقول: من يريد أن يسكر "لا يعدّ الكؤوس". ومن يشعر بلذة السكر لا يأبه بالعواقب، وكذلك الحروب؛ فمن يندفع إليها قد ينسى عواقبها، ويعتاد مشاهد القتل والدمار حتى تصبح بالنسبة إليه مجرد أرقام أو لعبة، بينما الحقيقة أنها مأساة إنسانية يدفع ثمنها الأبرياء.

أما الجنوب، فلم يعد فيه مرقد عنزة بأمان. قُتلت المواشي بما فيها الماعز والخراف والبقر، أما البقرة الصفراء المقدسة بالنسبة لليهود والتي ما زالوا يبحثون عنها، ليتهم يعرفون أن في لبنان كله لا يوجد عندنا بقرة حمراء ولا صفراء، لأنها الوحيدة التي كانت في عصر النبي موسى عليه السلام وقد ذبحها آنذاك أتباعه من اليهود بأمر من الله تعالى إلى النبي موسى عليه السلام.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment