بيروت - جورج ديب
في ظلّ التحولات الإقليمية المتسارعة، يبرز الاتفاق الأميركي-الإيراني الأخير كحدث سياسي ضخم، لكنه جاء خالياً من أي إشارة إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، ما وضع لبنان مجدداً في موقع المتلقي لقرارات الآخرين لا صانعها، وكأنه بلد فائض عن الحاجة في حسابات القوى الكبرى، يُذكر فقط عندما يكون ساحة حرب، ويُنسى عندما يحين وقت التسويات. فالاتفاق الذي روّج له البعض كمدخل لمرحلة تهدئة شاملة في المنطقة، بدا في جوهره اتفاقاً ثنائياً يهدف إلى ضبط الإيقاع بين واشنطن وطهران، فيما تُترك الملفات الأخرى، ومنها الملف اللبناني، معلّقة على طاولة مفاوضات جانبية لا يملك لبنان فيها لا الصوت ولا القرار.
إسرائيل، من جهتها، ترفض الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة قبل الحصول على مقابل واضح يتمثل بنزع سلاح حزب الله، وهو ملف ستتم مناقشته في المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية المرتقبة في واشنطن، حيث تسعى تل أبيب إلى تحويل أي انسحاب محتمل إلى ورقة ضغط سياسية وأمنية تُفرض على لبنان كشرط مسبق، لا كاستحقاق قانوني مرتبط بالقرارات الدولية.
وفي المقابل، يرفض حزب الله بشكل قاطع تسليم سلاحه للدولة اللبنانية، معتبراً أن ما حققه في الحرب الأخيرة يشكل "انتصاراً" يسمح له باستعادة ما خسره في الجولة السابقة ويعزز موقعه في أي تسوية مقبلة، بل ويمنحه شرعية إضافية للاستمرار في دوره العسكري خارج إطار الدولة. وبين هذين الموقفين المتناقضين، يجد لبنان نفسه أمام معادلة معقدة تتجاوز قدرته الداخلية، إذ يتحول مرة جديدة إلى ساحة تفاوض إقليمي لا يُسأل فيها عن رأيه ولا تُراعى فيها مصالحه المباشرة، فيما يدفع الشعب اللبناني وحده ثمن كل تأخير سياسي وكل صراع خارجي ينعكس على أمنه واقتصاده واستقراره.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه القوى الكبرى عن تهدئة إقليمية، يعيش اللبنانيون واقعاً مختلفاً تماماً: حدود مشتعلة، اقتصاد منهار، مؤسسات عاجزة، وقلق يومي على المصير. فالمواطن اللبناني الذي فقد مدخراته، وخسر عمله، وانهارت قدرته الشرائية، يجد نفسه اليوم أمام مشهد سياسي يزيد من هشاشته، إذ لا يرى في الاتفاق الأميركي-الإيراني أي ضمانة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، ولا أي التزام بحماية السيادة اللبنانية، ولا حتى إشارة إلى ضرورة دعم الدولة اللبنانية في استعادة دورها. ومع غياب أي ضمانات واضحة في الاتفاق تتعلق بالسيادة اللبنانية أو بالانسحاب الإسرائيلي أو بدور الدولة، يبقى السؤال الأساسي: ما هي مصلحة لبنان الفعلية في اتفاق لا يذكر لبنان؟.
البعض يرى أن التهدئة الإقليمية قد تمنح لبنان فرصة لالتقاط الأنفاس ووقف النزيف الإنساني والاقتصادي، وأن أي خفض للتوتر بين واشنطن وطهران سينعكس حكماً على الساحة اللبنانية، ولو بشكل غير مباشر، عبر تخفيف الضغط العسكري والأمني على الحدود الجنوبية، وفتح الباب أمام مساعدات دولية كانت معلّقة بانتظار استقرار سياسي أوسع. لكن آخرين يعتبرون أن تجاهل الملف اللبناني في الاتفاق يكرّس واقعاً خطيراً يجعل مستقبل البلاد رهينة تفاهمات خارجية لا دور للبنانيين فيها، وأن أي تهدئة لا تترافق مع معالجة جذرية لملف السلاح والحدود والسيادة ستبقى تهدئة هشة، قابلة للانفجار عند أول اهتزاز إقليمي.
وفي قراءة أكثر عمقاً، يظهر أن الاتفاق الأميركي-الإيراني، رغم حجمه السياسي، لم يأتِ بجديد على مستوى المقاربة الدولية للبنان. فالدول الكبرى لا تزال تتعامل مع لبنان كملف ثانوي مرتبط بالصراع الأكبر بين إيران وإسرائيل، وليس كدولة ذات سيادة لها مصالحها وحقوقها. وهذا ما يجعل لبنان في موقع بالغ الخطورة، إذ يتحول إلى ورقة تفاوض تُستخدم عند الحاجة وتُهمّش عند الاستغناء، فيما يبقى الشعب اللبناني هو الضحية الدائمة لهذا التجاهل الدولي. فالمواطن الذي يعيش تحت خط الفقر، والذي يواجه يومياً انقطاع الكهرباء وغياب الخدمات وارتفاع الأسعار، لا يرى في الاتفاق سوى حلقة جديدة من مسلسل طويل من الصفقات التي تُعقد فوق رؤوس اللبنانيين دون أن تأخذ في الاعتبار معاناتهم اليومية.
وفي هذا السياق، تبدو الدولة اللبنانية الحلقة الأضعف في معادلة لا ترحم. فهي عاجزة عن فرض شروطها على إسرائيل، وغير قادرة على فرض قرارها على حزب الله، ولا تمتلك القدرة على التأثير في الاتفاق الأميركي-الإيراني، ولا حتى القدرة على إدارة أزماتها الداخلية. فالدولة التي فقدت هيبتها، وتراجعت مؤسساتها، وتآكلت قدراتها المالية والإدارية، تجد نفسها اليوم أمام تحديات تتجاوز إمكاناتها، فيما تستمر القوى السياسية في صراعاتها الداخلية التي تُغرق البلاد أكثر فأكثر في الانهيار.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن للبنان مصلحة مباشرة في أي تهدئة إقليمية، حتى لو لم تكن عادلة أو مكتملة. فوقف الحرب على الحدود الجنوبية، وعودة النازحين إلى قراهم، واستعادة الحركة الاقتصادية في الجنوب، كلها مصالح إنسانية قبل أن تكون سياسية. كما أن أي استقرار إقليمي قد يفتح الباب أمام مساعدات دولية كانت معلّقة، ويعيد بعض الثقة إلى الأسواق، ويخفف الضغط على الليرة، ويمنح الدولة فرصة لإعادة إطلاق مسار الإصلاحات الذي توقف بسبب الحرب. لكن هذه المصالح تبقى محدودة إذا لم تترافق مع معالجة جذرية للملفات الأساسية التي تعيق استقرار لبنان، وعلى رأسها ملف السلاح خارج الدولة، وملف الحدود، وملف السيادة، وملف الإصلاحات الاقتصادية.
وفي المقابل، يحمل الاتفاق مخاطر كبيرة على لبنان إذا لم يُحسن إدارة المرحلة المقبلة. فإسرائيل قد تستغل غياب أي إشارة إلى الانسحاب لتكريس احتلالها، وربما لفرض شروط جديدة على لبنان في أي مفاوضات مقبلة. وحزب الله قد يرى في الاتفاق فرصة لتعزيز دوره العسكري والسياسي، ما يزيد من ضعف الدولة ويعمّق الانقسام الداخلي. أما المجتمع الدولي، فقد يكتفي بتهدئة شكلية دون الضغط الجدي لإيجاد حل دائم للنزاع على الحدود أو لدعم الدولة اللبنانية في استعادة دورها.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للبنان أن يحمي مصالحه في اتفاق لا يذكره؟
الجواب يبدأ من الداخل، من ضرورة توحيد الموقف اللبناني حول رؤية واضحة للسيادة والسلاح والحدود، ومن ضرورة استعادة الدولة لقرارها، ومن ضرورة إطلاق مسار إصلاحي حقيقي يعيد الثقة الداخلية والخارجية. فلبنان لن يستعيد استقراره الحقيقي ما لم يُحسم ملف السلاح خارج الدولة، وما لم تُفرض خريطة طريق واضحة لانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وما لم تستعد الدولة اللبنانية قرارها وسيادتها بعيداً عن منطق الصفقات الإقليمية.
وحتى ذلك الحين، سيبقى اللبنانيون يدفعون ثمن كل اتفاق لا يُكتب فيه اسم لبنان، وكل تسوية تُعقد فوق رؤوسهم، فيما تبقى الدولة الحلقة الأضعف في معادلة لا ترحم، والشعب الضحية الدائمة لصراع لا يملك فيه لا القرار ولا الخيار. وفي بلد أنهكته الحروب والانهيارات، يبقى الأمل الوحيد أن يدرك اللبنانيون أن خلاصهم لن يأتي من الخارج، بل من قدرتهم على بناء دولة حقيقية، دولة واحدة، بقرار واحد، وسلاح واحد، تحميهم ولا تُستخدم كأداة في صراعات الآخرين.











06/19/2026 - 20:09 PM





Comments