بيار مارون *
في لحظة إقليمية مشحونة، نُشر النص الإلكتروني لمذكرة تفاهم إسلام آباد التي وقّعتها الولايات المتحدة وإيران، فيما شاركت باكستان بصفتها شاهداً ووسيطاً. ورغم الضجيج الذي رافق الإعلان، فإن ما صدر ليس اتفاقاً شاملاً أو نهائياً يحسم الملفات الأكثر تعقيداً، بل تسوية أولية كبيرة تفتح الطريق أمام التفاوض حول العقوبات والبرنامج النووي والوجود العسكري الأميركي وترتيبات مضيق هرمز.
ترامب يريد تهدئة تخدم "أميركا أولاً"
بالنسبة إلى الرئيس دونالد ترامب، ترتبط المذكرة مباشرة بالداخل الأميركي. إنهاء الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، واستئناف جزء من تدفق النفط الإيراني، قد تساهم في تهدئة أسواق الطاقة وخفض مستوى المخاطر الجيوسياسية، بما ينعكس على الأسعار ويخفف الضغط التضخمي على المواطن الأميركي.
ورغم أن أسعار الوقود تتأثر أيضاً بقرارات "أوبك+" والمخزونات الأميركية والطلب العالمي والمضاربات، يبقى الأثر السياسي لإعلان وقف الحرب أو خفض التصعيد عاملاً مهماً في تشكيل مزاج الناخب. وهذه هي الصورة التي يحتاج ترامب إلى تقديمها: رئيس يقدّم نفسه بوصفه من أوقف حرباً مكلفة، وأعاد قدراً من الاستقرار إلى أسواق الطاقة، ووضع مصلحة المواطن الأميركي فوق الالتزامات الخارجية الطويلة؛ أي ترجمة عملية لشعار "أميركا أولاً".
كما يحتاج ترامب إلى نتائج تساعد الحزب الجمهوري في المحافظة على أكثريته الهشّة في مجلس النواب خلال الانتخابات النصفية. فخسارة هذه الأكثرية قد تعيد واشنطن إلى حالة الشلل السياسي، وتفتح الباب أمام تحقيقات واسعة وربما إجراءات عزل تستنزف النصف الثاني من ولايته، حتى لو لم تنتهِ بإدانة في مجلس الشيوخ. لذلك يحتاج ترامب إلى تهدئة قابلة للترجمة اقتصادياً وسياسياً، لا إلى حرب تبقي أسواق الطاقة تحت الضغط. غير أن رفع العقوبات وصرف الأموال يستلزمان موافقة الكونغرس، وهو ما لا يملكه ترامب بمفرده، ما يجعل أي محاولة لتغيير السياسة تجاه إيران رهينة توازن القوى بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية.
إيران تريد هدنة لترتيب الداخل
إيران بدورها تحتاج إلى الهدنة لأسباب تتجاوز الاقتصاد. فالمنظومة الأمنية والعسكرية - الجيش والشرطة والحرس الثوري - تعرضت لضربات موجعة، وتحتاج إلى إعادة تنظيم وترميم شبكات القيادة والسيطرة. كما تواجه البلاد ضغوطاً اجتماعية واقتصادية متراكمة تتطلب فترة من الاستقرار لمنعها من التحول إلى اهتزاز سياسي أوسع. وتحتاج القيادة الإيرانية أيضاً إلى تقديم الاتفاق لجمهورها وحلفائها بوصفه ثمرة للصمود، لا اعترافاً بالهزيمة.
وفي لبنان تحديداً، تريد طهران أن تظهر أمام بيئة حزب الله أنها لم تتجاهل ظروفها بعد الخسائر البشرية والدمار والنزوح، وأن وقف الحرب يمنح هذه البيئة فرصة لالتقاط أنفاسها، ويمنح إيران وقتاً لإعادة ترتيب أوراقها بأقل كلفة ممكنة. لكن التجربة التفاوضية الإيرانية تُظهر أيضاً أن طهران قد تفصل بين مصالح الدولة والنظام وبين مصالح حلفائها عندما تقتضي الضرورة.
الحسابات الإسرائيلية: تعقيد لا يمكن تبسيطه
ما تحتاجه واشنطن وطهران لا يتطابق بالضرورة مع ما تحتاجه إسرائيل أو ما يراه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. فنتنياهو يواجه محاكمة في قضايا فساد، وضغوطاً سياسية وانتخابية، وانتقادات حادة لأداء حكومته بعد إخفاق السابع من تشرين الأول 2023. لكن القرار العسكري الإسرائيلي لا يصدر عن شخص واحد، بل تتداخل فيه حسابات الكابينت الأمني، والجيش، والمؤسسة الأمنية، والائتلاف الحاكم، والرأي العام. وهذا الرأي العام منقسم بين من يريد استمرار الضغط العسكري لمنع تكرار هجوم جديد، ومن يريد إنهاء الحرب وعودة الحياة الطبيعية.
لذلك، لا يمكن القول ببساطة إن نتنياهو "يحتاج إلى الحرب". الأدق أنه يحتاج إلى إنجاز أمني واضح - سواء تحقق بالحرب أو بتسوية تُقدَّم على أنها انتصار - يعيد بناء الثقة بقدرة الحكومة على حماية الإسرائيليين، خصوصاً في الشمال. ومن هنا، قد تتمسك إسرائيل بحرية العمل العسكري، أو بمواصلة الضغط، إلى أن تحصل على ترتيبات أمنية تعتبرها قابلة للاستمرار، لا مجرد هدنة مؤقتة تمنح خصومها وقتاً للتعافي.
هل تستطيع واشنطن إلزام إسرائيل؟
السؤال الحاسم ليس فقط إن كانت واشنطن وطهران ستلتزمان بالمذكرة، بل إن كانت إسرائيل ستتعامل معها بوصفها أساساً ملزماً لوقف العمليات العسكرية. تستطيع إسرائيل القول إنها غير ملزمة بوثيقة لم تكن طرفاً فيها، وإن أمن حدودها لا يخضع لتفاهم أميركي-إيراني. لكن قدرتها على تجاهل الإرادة الأميركية ليست مطلقة، نظراً إلى اعتمادها الكبير على الدعم العسكري والسياسي من واشنطن.
لذلك قد لا نشهد رفضاً إسرائيلياً مباشراً، بل إعادة تفسير لوقف النار: قبولاً مؤقتاً بالتهدئة، مع الاحتفاظ بهامش للعمل العسكري تحت عنوان إزالة التهديدات ومنع إعادة بناء القدرات. فهل يستطيع ترامب فرض تهدئة تخدم "أميركا أولاً" على حليف يرى في هامش العمل العسكري ضرورة أمنية وسياسية؟ الجواب الواقعي: يستطيع ترامب أن يضغط بقوة، وأن يربط الدعم والغطاء السياسي الأميركي بالتزام التهدئة، لكنه لا يستطيع إلزام إسرائيل التزاماً مطلقاً، أو منعها من توسيع عملياتها إذا اعتبرت أن أمنها مهدد.
ويزيد المشهد تعقيداً حديث ترامب عن دور محتمل للرئيس السوري أحمد الشرع في "التعامل مع حزب الله". فالطرح، بصرف النظر عن فرص تنفيذه، يكشف أن واشنطن تبحث عن أدوات إقليمية بديلة لضبط الجبهة، فيما يبقى لبنان نفسه غائباً عن القرار المتعلق بأرضه وأمنه. وهنا تحديداً تبدأ المعضلة اللبنانية.
لبنان في النص... لا على الطاولة
بعد كل هذه الحسابات، لا بدّ أن نسأل: أين لبنان من كل ما يجري حوله وفي داخله؟ لبنان هو البلد الذي قد تتوقف الحرب على أرضه أو تتجدد، فيما تُبحث الضمانات والأدوار بين واشنطن وطهران وإسرائيل وسوريا. حاضر في حسابات الجميع، لكنه غائب عن الغرفة التي تُصنع فيها القرارات.
فلبنان مذكور في مذكرة إسلام آباد، لكنه لم يشارك في صياغتها أو توقيعها. وتتحدث الوثيقة عن وقف العمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية واحترام سيادته وسلامة أراضيه، من دون أن تكون الدولة اللبنانية طرفاً في التفاوض أو شريكاً في وضع شروط التنفيذ وضماناته، ومن دون أن تكون إسرائيل طرفاً موقّعاً وملتزماً بها.
لكن غياب لبنان ليس إقصاءً خارجياً فقط، بل نتيجة فراغ داخلي أيضاً: لا موقف تفاوضياً موحداً، ولا قراراً واضحاً بالحرب والسلم، ولا تصوراً وطنياً لمستقبل الحدود والسلاح والجبهة الجنوبية. وهكذا يجد اللبناني نفسه أمام مفارقة قاسية: الجميع يتحدث عن حماية لبنان، فيما الدولة اللبنانية لا تزال عاجزة عن التحدث باسمه بصوت واحد.
وقد تمنح الزيارة المرتقبة للرئيس جوزاف عون إلى واشنطن لبنان فرصة لتدارك بعض هذا الغياب، والانتقال من موقع المتلقي إلى موقع المحاور قبل إنجاز الاتفاق النهائي. لكن قيمة الزيارة لن تُقاس بالصورة في البيت الأبيض، بل بقدرة الرئيس اللبناني على حمل موقف وطني موحد يطالب بضمانات لوقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي، وإشراك لبنان مباشرة في أي تفاهم يتعلق بأرضه وأمنه، ودعم مسار بسط سلطة الدولة.
فالزيارة تفتح نافذة أمام لبنان، لكنها لا تمنحه مقعداً على الطاولة ما لم يحمل إليها قرار دولة. ولا شك في أن وقف النار مصلحة وطنية وإنسانية، لكنه لا يعيد القرار تلقائياً إلى مجلس الوزراء، ولا يعالج السلاح خارج سلطة الدولة، ولا يمنع تحويل لبنان مجدداً إلى جبهة إذا انهارت التفاهمات الإقليمية.
وما دامت إسرائيل غير موقّعة على المذكرة، فإن التنفيذ سيبقى رهناً بقدرة واشنطن على التأثير فيها، وقدرة طهران على التأثير في حزب الله، وبحسابات الأطراف على الأرض.
الخاتمة
مذكرة إسلام آباد ليست اتفاق سلام مكتمل الأركان، بل هدنة بين مصالح متعارضة. يحتاجها ترامب ليقدّم إنجازاً اقتصادياً وسياسياً ينسجم مع "أميركا أولاً"، وتحتاجها إيران لترتيب الداخل والحفاظ على نفوذها بأقل كلفة، فيما تريد إسرائيل أن تكون أي تهدئة مشفوعة بضمانات أمنية قابلة للاستمرار، لا مجرد وقف للنار يمنح خصومها وقتاً لإعادة بناء قدراتهم.
وحتى الرياض والعواصم الأوروبية التي دعمت مسار التهدئة تدرك أن استقراره في لبنان يبقى مشروطاً باستعادة الدولة قرارها وسيادتها - وهي مهمة لا يمكن لأي مذكرة خارجية أن تنجزها نيابة عنها.
ويبقى لبنان الطرف الأكثر هشاشة، والأقل قدرة على التأثير في مسار الاتفاق. فمن يريد الجلوس إلى الطاولة، عليه أولاً أن يمتلك قراراً واحداً، وموقفاً واحداً، ودولة تتحدث باسمه. المذكرة قد تمنح لبنان هدنة، لكنها لا تمنحه السيادة. والسيادة تبدأ عندما يستعيد لبنان قرار الحرب والسلم، ويصبح دولة تفاوض وتوقّع باسمها، لا جبهة يتفاوض الآخرون بشأنها.
* باحث ومحلل استراتيجي
رئيس منظمة دروع لبنان الموحّد - SOUL











06/19/2026 - 15:39 PM





Comments