الكاتب د. فهيم الشايع
هناك أسئلة تمرّ أمام الإنسان كل يوم بهدوءٍ شديد، حتى ليظن أنها عابرة، ثم يكتشف متأخرًا أنها كانت تلامس أعمق طبقاته الداخلية منذ البداية، أحد هذه الأسئلة: لماذا يريد الإنسان دائمًا أن يكون على حق؟ ليس في القضايا المصيرية فقط، بل حتى في التفاصيل الصغيرة التي لا تغيّر شيئًا تقريباً في العالم: طريقة نطق كلمة، حادثة قديمة، رأي عابر، أو نقاش قصير ينتهي بعد دقائق، ومع ذلك، يدخل الإنسان أحيانًا إلى تلك النقاشات كما لو أنه يدافع عن شيء أثمن من الفكرة نفسها.
ربما لأن المسألة لم تكن يوما ًمتعلقة بالحقيقة وحدها، أو لأن الإنسان، في أعماقه، لا يناقش الأفكار فقط…بل يحاول أن يحمي شيئاً هشّاً داخله من الانكسار.
يظهر الإنسان – في كتابات فوكو أحد أهم فلاسفة القرن المنصرم - ككائن تُشكّله أنظمة المعرفة أكثر مما يظن، لا بوصفه ذاتًا مستقلة بالكامل، بل ككائن يعيش داخل شبكات دقيقة من السلطة والمعنى والتصنيف، ضمن هذا التصور، لا تصبح الحقيقة شيئًا خارجياً فقط، بل جزءًا من هندسة الذات نفسها.
أن يكون الإنسان على حق، قد لا يعني دائمًا أنه امتلك الحقيقة، بل يعني أحياناً أنه حافظ على تماسك صورته الداخلية أمام نفسه والآخرين، وكأن بعض القناعات لا تتحول مع الوقت إلى أفكار فحسب، بل إلى نوعٍ من البيت الداخلي الذي يسكنه الإنسان نفسياً، ولهذا يبدو التخلي عنها شبيهاً بمغادرة جزء مألوف من ذاته.
منذ سبعينيات القرن الماضي، جرت في علم النفس المعرفي أبحاث حول ما يُعرف بـ (Confirmation Bias) وُجد أن الإنسان لا يستقبل المعلومات بطريقة حيادية كما يتخيل، بل يميل — غالباً دون وعي — إلى البحث عن الأدلة التي تؤكد ما يؤمن به مسبقًا، ويتعامل بحذر أو مقاومة مع ما يناقضه، إذ أظهرت دراسة أمريكية شهيرة من جامعة ستانفورد، طُبّقت الموقف من عقوبة الإعدام، أن المشاركين لم يصبحوا أكثر موضوعية بعد الاطلاع على الأدلة المتعارضة، بل ازداد كل طرف اقتناعاً بموقفه الأصلي.
هذا لا يعني أن الإنسان يرفض الحقيقة عمدًا، بل ربما لأن العقل لا يعمل دائمًا بوصفه أداة لاكتشاف الواقع فقط، بل أيضًا كآلية لحماية الاتساق الداخلي، فالإنسان لا يحب الأفكار الباردة كما يتخيّل، بل يتعلق ببعض قناعاته عاطفيًا، تمامًا كما يتعلق بالأماكن القديمة، أو بالأغاني التي رافقته طويلًا، أو بالنسخ السابقة من نفسه.
في مستوى أعمق، يبدو الخطأ أحياناً كأنه تصدّع رمزي في صورة الذات، ولهذا ظهر مفهوم: Cognitive Dissonance لوصف التوتر الذي ينشأ عندما تتعارض قناعات الإنسان مع الوقائع أو مع سلوكه الشخصي، وفق هذا التصور، الإنسان لا يسعى دائماً لإزالة الخطأ بقدر ما يسعى لإزالة التوتر الناتج عنه، أحياناً عبر التبرير، وأحياناً عبر إعادة تفسير الأحداث، واخرى عبر إعادة بناء القصة كاملة بطريقة تسمح للذات أن تبقى متماسكة، وكأن العقل يقول: ليس المهم فقط ما حدث، بل كيف يمكن احتماله داخلياً.
لهذا نجد الإنسان – في أغلب الاحيان - لا يدافع عن الفكرة نفسها، بل عن النسخة القديمة - من تقبله - التي عاشت داخل تلك الفكرة طويلًا، لذلك لا يبدو التراجع عن بعض القناعات كتصحيحٍ معرفي فحسب، بل كنوعٍ خفي من الفقد، كأن الإنسان، حين يعترف بخطئه، لا يخسر رأيًا فقط، بل يودّع جزءًا كاملًا من صورته القديمة.
الأمر لا يتوقف عند حدود النفس الفردية، في علم الاجتماع، ترتبط الصوابية بالمكانة أكثر مما ترتبط بالمعلومة ذاتها، فمنذ الأزمنة الأولى، لم يكن الإنسان يخاف الخطأ بقدر ما كان يخاف العزلة، كانت الجماعات القديمة تمنح الإنسان أكثر من الحماية، كانت تمنحه شعوره بأنه مرئي، ومقبول، ومفهوم، والإنسان الذي يفقد مكانه داخل الجماعة، لا يفقد رأياً فقط، بل يفقد شيئاً من أمانه النفسي أيضاً، وربما لهذا ما زال الجدل يحمل داخله حتى اليوم شيئًا من البنية البدائية القديمة: ليس مجرد تبادل أفكار، بل اختباراً غير معلن للمكانة والاعتراف.
ولهذا قد يتحول نقاش بسيط إلى توتر حقيقي، ليس بسبب الفكرة نفسها، بل بسبب ما تمثله ضمنياً من صورة وهيبة وموقع داخل المجال الاجتماعي، وأحياناً، لا يؤلم الإنسان أن يُقال له إنه مخطئ، بقدر ما يؤلمه الشعور بأنه لم يُفهم كما أراد.
حتى الدماغ نفسه لا يبدو محايدًا بالكامل تجاه فكرة الانتصار المعرفي، و أشارت دراسات حديثة في علم الأعصاب، باستخدام تقنيات التصوير العصبي إلى أن الفوز في الجدل أو تأكيد القناعات يرتبط بتنشيط مناطق المكافأة العصبية المرتبطة بالدوبامين، وهي المناطق نفسها التي ترتبط بالشعور بالرضا والتحفيز، كأن الاقتناع ليس عملية فكرية خالصة، بل تجربة بيولوجية أيضاً، ولهذا قد يشعر الإنسان بالارتياح حين يسمع ما يشبهه، لا لأنه صحيح بالضرورة، بل لأنه ينسجم مع البنية الداخلية التي اعتادها طويلًا، فالإنسان لا يبحث دائماً عمّا يوقظه، في كثير من الاحيان يبحث فقط عمّا يطمئنه.
لكن المثير للاهتمام أن التاريخ الفكري نفسه لا يقدم موقفًا واحدًا حاسماً من هذه المسألة، بعض الفلاسفة رأوا أن الحقيقة مشروع يجب الدفاع عنه مهما كان الثمن، بينما رأى آخرون أن ما نسميه حقيقة ليس دائماً منفصلًا عن اللغة والسلطة والسياق التاريخي، وربما لهذا تبدو الرغبة الإنسانية في أن تكون على حق أكثر تعقيدًا من مجرد غرور فردي، قد تكون محاولة لحماية الهوية، أو مقاومة للشك، أو بحثاً عن الاستقرار داخل عالم يتغير بسرعة أكبر من قدرة الإنسان على الاحتمال، فالإنسان لا يتعب فقط من الفوضى الخارجية، بل من احتمالية أن يصبح غريبًا عن نفسه أيضًا.
في النهاية، ربما لا تكمن المسألة في كون الإنسان محقاً أو مخطئاً، بل في العلاقة العاطفية العميقة التي يبنيها مع أفكاره مع مرور الوقت، فالإنسان لا يسكن العالم بأفكاره فقط، بل يسكن نفسه من خلالها أيضاً، وبعض القناعات لا تستقر داخل العقل وحده، بل تتسلل بهدوء إلى الذاكرة والعاطفة والهوية، حتى تصبح جزءًا من الطريقة التي يرى بها الإنسان العالم ويحب بها ذاته، ولهذا يبدو التخلي عنها مؤلماً أحياناً، لا لأن الحقيقة قاسية بالضرورة، بل لأن الإنسان لا يغيّر أفكاره فقط حين يغيّر قناعاته… بل يغيّر شيئاً خفياً من روحه أيضاً.












06/19/2026 - 11:40 AM





Comments