رشيد ج. مينا
لا أريد هنا مناقشة ما آلت إليه الأمور من تفاهمات أو مذكرات بين الولايات المتحدة وإيران، ولا الدخول في تفاصيل ما إذا كانت تؤكد أو تنفي ما سبق أن تناولته من آراء ومواقف وتحليلات حول هذا الصراع الإقليمي والدولي، وأهدافه، ومصالح الدول المنخرطة فيه.
ما أريد التوقف عنده هو ما كشفه هذا الصراع، الذي دار ولا يزال مستمرًا، وإن اختلفت وسائله وأدواته من مرحلة إلى أخرى.
لقد كشف هذا الصراع حجم العجز في الصيغ والمؤسسات الدولية والإقليمية، من هيئة الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن، ومن جامعة الدول العربية إلى منظمة التعاون الإسلامي. مؤسسات يُفترض أن تكون حاضرة وفاعلة في مواجهة الأزمات الكبرى، فإذا بها تبدو عاجزة عن أداء دور مؤثر، رغم أن كثيرًا من الدول الأعضاء فيها عانت مباشرة من الاستهداف والأضرار، ورغم أن مفاعيل هذا الصراع لم تقتصر على دولة أو إقليم، بل امتدت إلى الأمن والتجارة والاقتصاد والاستقرار العالمي.
وليس العجز الرسمي العربي أمرًا طارئًا أو مرتبطًا بأزمة واحدة. فالشواهد كثيرة،ولعل فلسطين تبقى الشاهد الأبرز على عجز النظام العربي الرسمي عن تحويل الإجماع السياسي والشعبي العربي إلى فعل مؤثر وقادر على حماية الحقوق العربية، قبل أن تتكرر مشاهد العجز نفسها بدرجات متفاوتة في لبنان وسوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان وغيرها من الساحات العربية.
حيث تحولت الأزمات إلى حروب مفتوحة وانقسامات عميقة وتدخلات خارجية، بينما بقي الحضور العربي المشترك محدودًا أو متأخرًا أو عاجزًا عن إنتاج حلول حقيقية تحفظ الدول والمجتمعات والسيادة والمصالح العربية.
ومن مفاعيل هذا الصراع أيضًا أن نشهد حوارات تُطرح أو يُعمل لها بين دول مثل باكستان وتركيا والسعودية ومصر مع إيران، وكأن المشهد يُختزل في حوار بين دول سنيّة وجمهورية ثورة شيعية. ولا شك أن الحوار أمر جيد، وهو الطريق الأفضل لمعالجة المشكلات وتقريب وجهات النظر وتخفيف التوترات، لكن الوصول إلى نتائج حقيقية يحتاج إلى أن تمتلك الدول المتحاورة قرارها وإرادتها الحرة وقدرتها على صياغة مصالحها بعيدًا عن الإملاءات والضغوط.
والسؤال هنا: هل هذه المقومات متوفرة فعلًا؟
إن مجريات الحراك الدولي، وحجم الإمساك الأمريكي بناصية التوجهات الكبرى في المنطقة، يشيران إلى أن كثيرًا مما يجري يبقى ضمن الستاتيكو المرسوم أمريكيًا، وفي إطار المصلحة الإسرائيلية العليا. وما دار من كلام بين الرئيس الأمريكي والسفير الإسرائيلي، من قول إن لا إسرائيل من دون أمريكا، إلى الرد بأن لا أمريكا من دون التراث اليهودي الذي هو أساس أمريكا، لا يمكن النظر إليه كعبارات مجاملة عابرة، بل كإشارة سياسية وثقافية إلى عمق الترابط بين الطرفين، وإلى حجم التأثير الصهيوني في التوجهات الاستراتيجية التي تحكم مقاربة المنطقة وصراعاتها.
من هنا، لا يمكن النظر إلى ما وصلت إليه جامعة الدول العربية باعتباره صدفة أو نتيجة ضعف إداري فقط. فقد جرى، على مدى عقود، تشويه صورتها، وتهميش دورها، وإضعاف قراراتها، وتحويلها تدريجيًا إلى مؤسسة تبدو وكأنها لا حول لها ولا قوة، بدل أن تكون إطارًا جامعًا وفاعلًا للتنسيق العربي وصياغة الموقف المشترك.
ومن الجيد أن تنطلق بعض الدول العربية في جولات حوارية مع دول الجوار، سواء كانت صديقة أو مختلفة معها، في سبيل تحقيق شعارات الأمن والسلام والاستقرار ومعالجة المشكلات. لكن الأهم من ذلك، بل الأولوية التي لا يمكن تجاوزها، هي إطلاق حوار عربي عربي جاد وصادق ومسؤول، يهدف إلى الوصول إلى رؤية مشتركة، ووحدة موقف، وتطوير صيغ التنسيق والتكامل بين الدول العربية.
فالحوار مع دول الجوار والقوى الإقليمية والدولية يبقى ضرورة في عالم متشابك المصالح، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن الحوار العربي العربي، ولا أن يعوض غياب الرؤية العربية المشتركة. فالدول التي تدخل أي حوار وهي متفرقة وضعيفة ومختلفة على أولوياتها ومصالحها، تكون أقرب إلى تلقي نتائج التفاوض منها إلى المشاركة في صياغتها.
وقد تكون استعادة جامعة الدول العربية لدورها الطبيعي، وتحديث مؤسساتها وآليات عملها، إحدى الطرق الأساسية لإعادة الحضور العربي إلى موقع الفعل لا موقع التلقي. فالعرب بحاجة إلى رؤية تقرأ الحاضر وتستشرف المستقبل، وتواجه الغطرسة الإسرائيلية وأعمالها العدوانية والتوسعية، وتمنحهم مكانًا ودورًا في ما يُخطط للمنطقة، بدل أن يبقوا مجرد مشاهدين لما يراد لهم وعلى أرضهم وعلى حساب مستقبلهم.
وما ينطبق على الدول العربية ينطبق أيضًا على الداخل الوطني لكل دولة. فالحوار لا يجب أن يكون حوار أنظمة ومصالح فقط، بل حوارًا وطنيًا يوسّع مساحات المشاركة، ويعزز الوحدة الداخلية، ويرسّخ مفاهيم الديمقراطية والحريات العامة، بما يحصّن الدول ويفتح الأبواب أمام معالجة المشكلات وإزالة المعوقات من أمام الاستقرار والتطور والنمو.
ولبنان، في هذا السياق، هو من أكثر الدول حاجة إلى حوار وطني حقيقي بين مكوناته الوطنية، لا بين الطبقة المتقاسمة للسلطة ومقدرات الوطن. حوار يهدف إلى صياغة رؤية وطنية جامعة، وانخراط كامل في الدولة ومؤسساتها، وتطوير النظام بما يعزز الوحدة الوطنية، ويفتح الطريق نحو مستقبل آمن لا يتعرض فيه الوطن للاهتزاز عند كل محطة أو صراع خارجي.
ومن دون شك، فإن قيام الدولة اللبنانية بمسؤولياتها الوطنية يحتاج إلى دعم عربي حقيقي وقوي، وإلى تحرك دولي فاعل من أصدقاء لبنان والحرية، من أجل وقف العدوان الإسرائيلي، وتحقيق الانسحاب، وإطلاق الأسرى، وفق أسس السيادة اللبنانية، وعودة النازحين، وإطلاق مشاريع الإعمار والتنمية لكل لبنان؛ لبنان الذي عانى من العدوان الإسرائيلي، كما عانى من سياسات التهميش والإقصاء والانقسام الداخلي.
إن الخروج من هذا الواقع لا يبدأ من الحوارات الشكلية ولا من التسويات المفروضة، بل من استعادة القرار العربي، وبناء موقف عربي موحّد، وإطلاق حوار وطني داخل كل دولة، يعيد الاعتبار للإنسان والدولة والسيادة والمصلحة العامة.
فمن لا يملك قراره لا يستطيع أن يصنع سلامه، ومن لا يبني وحدته الداخلية لا يستطيع أن يحمي نفسه من الخارج، ومن يبقى خارج صناعة المستقبل سيجد نفسه دائمًا جزءًا من خرائط الآخرين ومشاريعهم.
ولا سيادة بلا وحدة داخلية، ولا وحدة داخلية بلا مشاركة، ولا مشاركة حقيقية بلا دولة ومؤسسات وعدالة وحرية. ومن هنا يبدأ الطريق: حوار عربي صادق، وحوار وطني مسؤول، ودولة قادرة، وإنسان حر، وموقف لا يُصنع في غرف الآخرين بل ينبع من إرادة الشعوب ومصالحها وحقها في المستقبل.











06/19/2026 - 08:43 AM





Comments