عندما قرأ "الاخوان رحباني" مذكرة التفاهم" بين واشنطن وطهران!

06/19/2026 - 17:26 PM

Arab American Target

 

 

غرق اللبنانيون بين نظريتين واحدة تدعي "الانتصار" وأخرى تتحدث عن "الهزيمة"، وما بينهما دعوة للتريث حتى يتبين ما يمكن انجازه في مهلة الايام الـ 60. وعليه طرح السؤال: هل من مخرج طالما ان وقف النار ومصير السلاح متلازمان، وما زال الفصل بينهما قائما؟!

الجمهورية – جورج شاهين

فتحت القراءات اللبنانية المتعددة لـ "مذكرة التفاهم" بين الولايات المتحدة وإيران، جدلاً واسعاً، وراح البعض بعيداً كل على هواه، ينوّه - بما يرغب بقراءته ويتمناه - في تفسيرها وتشريح بنودها الـ 14، ولا سيما منها البند الأول والوحيد الذي ورد فيه اسم "لبنان" ثلاث مرّات، تأكيداً على اتفاق وقف النار. وهو وضعٌ سمح للمراقبين الحياديين بالتذكير بـ "القراءة الثلاثية" لرسالة "أسعد ابن شهدان" إلى "سلمى" في مسرحية "قصيدة حب" لـ "الأخوين رحباني" وهذه بعض الدلائل الثابتة.

انتظر اللبنانيون لأيام عدة نسخة ممّا سُمّي "مذكرة التفاهم" التي تمّ التوصل إليها بوساطة باكستانية وقطرية، ومعهما مجموعة من القوى الدولية والإقليمية، للاطلاع على ما يعني لبنان مما ورد فيها من بنودها الـ 14 من أجل فهم وتفسير الترحيب المسبق واللاحق الذي عبّرعنه "الثنائي الشيعي" ومعه حلفاؤه من "محور الممانعة" بما يجري على "مسار باكستان"، في مواجهة ما تحقق على "مسار واشنطن" وما انتهت إليه الوساطة الباكستانية من جهة، كما بالنسبة إلى من توجسوا من مضمونها، لأنّها لم تدخل في تفاصيل أمرين مهمّين ومتلازمين، يعنيان مجريات الحرب على لبنان وهما يتصلان بآلية تثبيت وقف النار ليكون شاملاً وكاملاً، ومصير السلاح الإيراني غير الشرعي الذي تسبب باستجرار هذه الحرب المدمّرة مرّة أخرى، ومعها حجم الاحتلال الذي يقترب من أن  يفيض على 6 % من الأراضي اللبنانية بقليل، عدا عن النكبة التي تسبّب بها.

ولما بقيت القراءات المتناقضة مسموحة إلى حدّ بعيد، على ضوء التسريبات التي لجأ اليها البعض بطريقة كان فيها كل طرف معني يحاكي فيها شعبه وداخله المأزوم، جاءت النسخة الأميركية لتضفي عليها كثيراً من الجدّية. فبدأ مسلسل "التنظير المنطقي" منه الداعي إلى التريث قبل الحكم على أي ملاحظة او بند، طالما انّ هناك مهلة 60 يوماً، وقد ارتبطت بها معظم القرارات المهمّة التي تعني طرفي الحرب والمتأثرين بها على مستوى المنطقة والعالم. كما بالنسبة إلى تلك النظريات "الهمايونية" التي تخاطب القلوب والعواطف المؤجّجة، بما فيها من غرائب وعجائب وحديث متنامٍ عن انتصارات وهمية لا أساس لها حتى اليوم، وخصوصاً إن كانت هذه المذكرة تعبيراً عن "حل موقت" يرضي المأزومين، لعبور كل منهم مآزقه الداخلية أياً كانت الأثمان. 

وعلى هذه الخلفيات استذكر المراقبون الحياديون مقطعاً شهيراً من مسرحية "قصيدة حب" لـ "الأخوين رحباني"، ولا سيما مشهد "الرسائل الثلاث" الذي شارك فيه اربعة من أبطالها، جوزف ناصيف، وليم حسواني، هدى حداد، ومروان محفوظ، بحيث انّها جاءت متطابقة إلى ما حمله الفرز القائم بين اللبنانيين من نتائج متناقضة في قراءة الوثيقة وتداعياتها على وقع "النزاع المفتوح" بين اللبنانيين، والذي تُرجم منذ زمن بالآتي من وقائع المسرحية على الشكل الآتي:

لما جاء جوزف ناصيف الذي يلعب دور "البوسطجي"، سواء كان "باكستانياً" او "قطرياً" بالرسالة، حاملاً "وثيقة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية" الموجّهة من قبل اسعد ابن شهدان (يمكن ان يكون اميركياً او إيرانياً لا فارق) إلى "اللبناني المحايد" والد "سلمى" وليم حسواني، التبس عليه الامر اولاً، إن كانت الرسالة موجّهة إليه، سواء كان من "الثنائي الشيعي" او من "أهل الحكم"، ام إلى ابنته "اللبنانية البريئة". ولما سمح للوسيط بقراءتها بعد تحذيره من "كلام غرامي"، تمنّى من الله أن "يخلع له نيعه" لقاء عبارات الغرام، فردّ عليه بأنّه هو "رجل البريد - الوسيط" الذي لا يتحمّل مسؤولية ما كُتب فيها.

وفي عزّ النقاش بين الوسيط واللبناني بصفتيهما التشبيهية، وصلت المعلمة (هدى حداد)، ويمكن ان تكون "اوروبية" او "خليجية" المهتمة بلبنان، فطلب منها الوالد قراءة الرسالة، فتلت عليه ما أرادت تلاوته بالمنطق التربوي والثقافي، فكان مرتاحاً لمضمونها. ولما جاء "شهدان" والد صاحب الرسالة "مروان محفوظ" المتوقع أنّه من أعضاء "الخماسية الديبلوماسية"، من أصحاب "الرأي الثالث" الذي طال انتظاره، وقد يكون أصدق من الاثنين معاً، فإذا به صاحب "المصلحة المباشرة" في قراءة الرسالة بدلاً من أن يكون "حيادياً"، يمكنه ترجمة "الوثيقة ـ الرسالة" بصدق، فكانت حصيلة مهّمته انّه ذكّره بواجباته وما هو مطلوب منه من التزامات وتعهدات سابقة لم يف بها بعد، فطالبه بما استحق له من "بدلات الايجار".

على هذه الخلفيات، بما تؤمّنه من معطيات توفر أكثر النظريات المتبادلة حول وثيقة التفاهم التي لازمها الغموض في أكثر بنودها وسمحت بتأويلها كل على هواه،  فرآها البعض انتصاراً إيرانياً قوياً له، لمجرد ما ستوفره الضمانات الأميركية والأممية، متى تبنّاها مجلس الامن الدولي، من مطالب، منها ما هو ملحّ وطارئ عدا المزمن منها، ولا سيما ما تسبّب منها بمعاناة إيرانية امتدت على ما يزيد على خمسة عقود ونصف عقد من العقوبات المتشعبة النفطية منها والتجارية، وتلك التي عانى منها الإيرانيون خمسة عقود وأكثر من نصف عقد، بمختلف وجوه حياتهم. وفي المقابل هناك من قرأ العكس من هذا الإدعاء بـ "النصر الإلهي" الذي أُعلن عنه في طهران والضاحية الجنوبية وعين التينة دون سواها من المواقع اللبنانية. ومردّ هذه القراءة أنّه شاهد بأم العين أمس وقبله، حجم النكبة الشاملة التي حلّت بلبنان واللبنانيين، وانّ كل الوعود بالإنجازات لم تستحق بعد، فهي لن تتحقق إلّا في نهاية المفاوضات بأيامها الـ60، إن كانت كافية لتحقيق بند من هذه البنود، ومن بعدها قد يأتي ذلك الانتصار وقد لا يأتي.

وختاماً، وعند الوصول إلى مرحلة ما بين النظريتين، تبقى هناك ثالثة تتمتع بجدّية وموضوعية اكثر من غيرها، وقد لا تخضع لأي نقاش. وهي تقول إنّ وقف النار الذي جاء من "مسار إسلام آباد" قبل أيام هو نفسه الذي جاء من "طاولة واشنطن" في الرابع من الشهر الجاري، طالما أنّه لم يحقق وقف النار الشامل ولم يتناول مصير الأسلحة غير الشرعية ومن يستطيع الفصل بين الأمرين لم يوجد بعد. بدليل واضح لا يرقى اليه اي شك ما انتهت إليه قمّة "مجموعة السبع" في "إيفيان" الفرنسية (حيث وقّع الرئيس ترامب النسخة الافتراضية مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان)، التي قال بيانها الختامي بكل ما قالت به التفاهمات المختلفة بما هو أدبي وديبلوماسي منمّق، وقد أُضيف اليها منطق "نزع السلاح غير الشرعي" ليكون بتصرف القوى الشرعية دون غيرها..

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment