إرث النفاق السياسي وخطر إعادة إنتاجه في المرحلة الانتقالية السورية

06/19/2026 - 08:20 AM

Atlantic home care

 

 


بركات شاهين

يُعدّ النفاق السياسي أحد أكثر الظواهر رسوخًا في التاريخ السياسي السوري الحديث، إذ شكّل لعقود طويلة جزءًا من بنية الحكم، ولا سيما خلال الحقبة السابقة التي تحوّلت فيها مؤسسات الدولة إلى ساحات تنافس على إظهار الولاء بدل التنافس على الكفاءة. فقد أصبح المديح المبالغ فيه واللغة الاحتفائية وسيلة للصعود الوظيفي، فيما تراجعت قيم الرقابة والمساءلة والعمل المؤسسي. ورغم أن هذا النمط من السلوك قد يرضي الحاكم على المدى القصير، إلا أنه يقوّض أسس الحكم السليم على المدى البعيد، ويُنتج ثقافة قائمة على التزلف بدل النقد، وعلى القرب من مركز القرار بدل الإنجاز الفعلي. ومع مرور الزمن، ينعكس ذلك على فعالية المؤسسات ويضعف قدرتها على التجديد والإصلاح، ويُرسّخ ثقافة تُقدّم الولاء للسلطة على حساب الانتماء للوطن.

وفي المشهد السوري الراهن، ومع بروز قيادة جديدة، يطرح كثير من المراقبين تساؤلات حول ضرورة الحذر من تسلل هذه الممارسات القديمة إلى بنية الحكم الجديدة، سواء عبر الإعلام أو بعض الدوائر الإدارية أو من خلال ظهور طبقة جديدة من المزاودين والمدّاحين و"العواينبة" الذين يحاولون إعادة إنتاج الأساليب ذاتها بوجوه جديدة. فاستمرار هذا الإرث يهدد فرص بناء مؤسسات أكثر مهنية وشفافية، ويُضعف إمكانية تأسيس مرحلة سياسية مختلفة فعلًا عن الماضي.

إن التحدي الأكبر أمام أي مرحلة انتقالية هو القدرة على كسر الحلقة التاريخية التي أعادت إنتاج النفاق السياسي لعقود، واستبدالها بثقافة سياسية حديثة تؤمن بالمحاسبة وتضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية أو الولاءات الضيقة. فمحاربة النفاق ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل ضرورة حضارية، لأن مستقبل أي أمة يعتمد على شجاعة قول الحقيقة لا على براعة تزييفها.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment