لبنان بعد التحولات الكبرى: قراءة في نهاية حقبة اقليمية

06/16/2026 - 17:23 PM

Prestige Jewelry

 

 

الى اين يتجه لبنان؟

 

تقرير اخباري موسع من اعداد الاعلامي مختار امين

تكشف التطورات المتسارعة في الشرق الاوسط ان المنطقة دخلت سياقا مختلفا جذريا عن ذلك الذي تشكل بعد مطلع الالفية. فالاحداث التي امتدت من سوريا الى لبنان، ووصلت في النهاية الى المواجهة المباشرة بين ايران واسرائيل، لم تكن مجرد جولات صراع متفرقة، بل محطات متراكمة اعادت رسم ميزان القوى الاقليمي وكشفت حدود المشاريع التي قامت على منطق التوسع والمواجهة طويلة الامد.

ضمن هذا المنعطف، تبدو الساحة اللبنانية امام تحول تاريخي قد لا تظهر نتائجه كاملة دفعة واحدة، لكنه يسير في اتجاه واضح. فالمشروع الايراني الذي شكل احد ابرز عناصر المشهد اللبناني خلال العقود الماضية فقد جزءا كبيرا من البيئة الاقليمية التي سمحت له بالنمو والاستمرار، واصبح يواجه واقعا مختلفا تماما عن ذلك الذي نشا فيه.

لقد اعتمد هذا المشروع لسنوات على شبكة نفوذ اقليمية واسعة، وعلى قدرة طهران على توفير الدعم السياسي والمالي والعسكري لحلفائها. لكن السنوات الاخيرة شهدت تغيرات عميقة في هذه المعادلة. فالمواجهات المتلاحقة اظهرت حجم الفجوة في القدرات العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية، كما كشفت ان موازين القوة الفعلية في المنطقة تختلف كثيرا عن الصورة التي سادت خلال سنوات طويلة.

الحرب الاخيرة شكلت نقطة تحول مفصلية في هذا المسار. فما جرى لم يكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل كشف مستوى غير مسبوق من الاختراقات والضربات التي طالت بنية القيادة والقرار داخل إيران.

كما اظهر ان التفوق الجوي والاستخباراتي أصبح عاملا حاسما في رسم نتائج الصراعات الحديثة، وان امتلاك ادوات النفوذ الاقليمي لم يعد كافيا لتعويض الفوارق الكبيرة في التكنولوجيا والقدرات العسكرية.

وفي الوقت نفسه، دخلت إيران سياقا جديدا فرضته الوقائع الاقتصادية والامنية. فالأولوية اصبحت مرتبطة بالاستقرار الداخلي، واعادة تنشيط الاقتصاد، واستعادة العلاقات التجارية، ورفع العقوبات، وجذب الاستثمارات. وهي اهداف تتطلب توجيه الموارد نحو الداخل أكثر من توجيهها الى ساحات الصراع الخارجية.

ومن هنا تبدو الساحة اللبنانية امام واقع مختلف. فالمعادلات التي حكمت الفترة السابقة لم تعد قائمة بالشكل نفسه، كما ان قدرة طهران على تخصيص الموارد والامكانات التي كانت متاحة في الماضي اصبحت أكثر محدودية. ومع تراجع البيئة الاقليمية الداعمة، تتراجع ايضا قدرة اي مشروع قائم على الصراع المفتوح على المحافظة على الزخم نفسه الذي امتلكه في فترات سابقة.

كما ان المشهد الاقليمي يتجه بصورة متزايدة نحو تثبيت الاستقرار واعاة بناء الاقتصادات واستقطاب الاستثمارات، وهي اولويات تتعارض بطبيعتها مع استمرار ساحات المواجهة المفتوحة. وفي هذا السياق، يصبح من الصعب تصور عودة الظروف التي سمحت بتوسع النفوذ الايراني في لبنان والمنطقة خلال العقود الماضية.

والمؤشرات الاقتصادية الاخيرة تعطي وزنا اضافيا لهذا التحول. فوفق تقديرات المؤسسات الدولية، بدا الشرق الاوسط يدخل مرحلة اعادة تموضع اقتصادي بعد سنوات من الاضطرابات والصراعات. وتشير التوقعات الى تباطؤ النمو الاقليمي خلال عام 2026 نتيجة تداعيات الحرب واضطرابات التجارة والطاقة، الامر الذي دفع العديد من الحكومات الى اعادة ترتيب اولوياتها والتركيز على دعم الاقتصاد والاستثمار والانتاج المحلي.

كما برز توجه متزايد نحو السياسات الصناعية والاستثمارات طويلة الاجل في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات الرقمية، باعتبارها ادوات اكثر استدامة لتحقيق النمو والاستقرار. وفي إيران تحديدا، تعكس التصريحات الرسمية هذا التحول بوضوح. فبعد سنوات طغت فيها الملفات الامنية والاقليمية على المشهد، أصبح الخطاب الاقتصادي يحتل موقع الصدارة، مع التركيز على الاستقرار الداخلي، ومعالجة الضغوط المعيشية، وجذب الاستثمارات، واعادة تنشيط الاقتصاد.

ويعكس ذلك ادراكا متزايدا بان المرحلة المقبلة ستقاس بقدرة الدول على تحقيق النمو وتحسين الاوضاع الاقتصادية أكثر مما ستقاس بقدرتها على ادارة الصراعات الممتدة.

وتكشف هذه المؤشرات ان المنطقة بأكملها تتجه تدريجيا نحو اعادة تعريف اولوياتها. فالمنافسة لم تعد تتركز فقط حول النفوذ الجيوسياسي، بل اصبحت مرتبطة ايضا بجذب رؤوس الاموال، وتطوير البنية التحتية، ورفع معدلات النمو، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات الوطنية.

ومن هنا تكتسب التحولات الجارية في لبنان اهمية اضافية، لأنها تتزامن مع لحظة اقليمية تعيد فيها الدول توجيه مواردها من ساحات المواجهة الى مسارات التنمية والاستقرار.

لذلك تبدو القضية أقرب الى مسار تاريخي تتضح ملامحه تدريجيًا. فالمسالة لم تعد مرتبطة بإمكانية استعادة زمن الصعود السابق بقدر ما اصبحت مرتبطة بكيفية ادارة زمن التراجع وتوقيته. وقد تستغرق التحولات سنوات حتى تكتمل، لكن الاتجاه العام الذي ترسمه الاحداث الحالية يشير الى ان المنطقة تتجه نحو سياق جديد يختلف جذريا عن السياق الذي سبقه.

وبناء على هذا المسار، يبدو ان المشروع الايراني في لبنان دخل طور افول استراتيجي طويل المدى، حيث اصبحت تحديات المحافظة على النفوذ اكبر بكثير من فرص التوسع واستعادة الزخم الذي ميز الفترات السابقة. فالتوازنات الجديدة، والضغوط الاقتصادية، والتحولات السياسية، وتغير اولويات الدول، جميعها تدفع في اتجاه واحد: نهاية تدريجية لحقبة اقليمية كاملة، وصعود واقع جديد تتقدم فيه اعتبارات الدولة والاقتصاد والاستقرار على حساب مشاريع الصراع الممتد.

غير ان التحولات الجارية لا تطرح سؤال مستقبل النفوذ الايراني فقط، بل تضع لبنان نفسه امام اختبار تاريخي قد يكون الاهم منذ عقود. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تراجع مشروع اقليمي او صعود اخر، بل في قدرة الدولة اللبنانية على ملء الفراغ الذي قد ينشا عن اعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

وفي جوهر الامر، لا يتعلق هذا المنعطف بمجرد تراجع نفوذ اقليمي وصعود توازنات جديدة، بل بانتقال محتمل من نموذج سياسي كامل الى نموذج مختلف في ادارة الدولة. فلبنان يقف اليوم بين سياقين متباينين: سياق ارتبط فيه جزء كبير من القرار السياسي والامني والاقتصادي بتوازنات المحاور الاقليمية، وسياق جديد يفترض ان يقوم على تعزيز دور الدولة ومؤسساتها كمرجعية وحيدة للسيادة والقرار الوطني.

فالفرق بين السياقين لا يقتصر على تبدل التحالفات او موازين النفوذ، بل يمتد الى طبيعة ادارة الدولة نفسها. ففي حين قامت الحقبة السابقة على تعدد مراكز القرار وتداخل الاعتبارات الاقليمية مع الشأن الداخلي، فان السياق المقبل يضع لبنان امام فرصة لإعادة بناء مؤسسات أكثر استقلالا وقدرة على ادارة الملفات السيادية والاقتصادية والامنية وفق اولويات وطنية مباشرة.

كما ان انعكاسات هذا التحول لا تقتصر على السياسة والامن فقط، بل تمتد الى المجتمع اللبناني نفسه. فاستعادة دور الدولة يمكن ان تفتح المجال امام اعادة بناء الثقة بالمؤسسات، وتقليص الاعتماد على شبكات النفوذ الخارجية، وخلق بيئة أكثر استقرارًا تشجع الاستثمار وتحد من هجرة الكفاءات. كذلك قد تساهم في اعادة توجيه النقاش الوطني من قضايا الصراع والمحاور الى ملفات التنمية والاصلاح والاقتصاد، وهي الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطن اللبناني بصورة مباشرة.

فاذا كانت السنوات الماضية قد شهدت تمدد النفوذ الاقليمي على حساب مؤسسات الدولة، فان السياق المقبل يفرض معادلة معاكسة تقوم على استعادة القرار الوطني وبناء مؤسسات قادرة على ادارة الملفات السيادية والاقتصادية والامنية من داخل الدولة نفسها.

لبنان يقف اليوم عند نهاية مرحلة اقليمية كاملة وبداية مرحلة جديدة. فالرياح التي هبت يوما لصالح المشروع الايراني بعد سقوط نظام صدام حسين تبدو وقد استدارت في الاتجاه المعاكس. وما كان يتمدد بالأمس أصبح منشغلا بالدفاع عن مكتسباته، وما كان ينظر اليه كساحة مفتوحة للصراعات يبدو مرشحا لان يتحول الى دولة تستعيد دورها ومؤسساتها.

ولبنان اليوم يشبه لاعب الدومينو الذي لم يعد امامه سوى قطعة واحدة قابلة للعب، لكنها القطعة الصحيحة. اما الطرف الاخر فقد أصبح يمرر دوره لان القطع التي بين يديه لم تعد تنسجم مع اتجاه اللعبة ولا مع قواعدها الجديدة.

واللاعب الخبير لا ينتظر نهاية المباراة ليعرف من يقترب من الفوز؛ فهو يقرا القطع التي خرجت من اللعب ويستنتج ما تبقى في الايدي. ومن خلال قراءة التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الاخيرة، تبدو ملامح النهاية أكثر وضوحًا من اي وقت مضى.

فلبنان لا يملك اليوم ترف تعدد الخيارات، كما لا يملك ترف اضاعة الوقت. وليس امامه الا ان يحسن ادارة هذه المرحلة. فالأضواء الدولية كلها مسلطة على هذا المسار؛ الولايات المتحدة تدفع نحوه، والامم المتحدة تؤيده، والمجتمع الدولي يدعمه، بينما تقف اسرائيل في الجهة المقابلة مطالبة بترتيبات امنية جديدة. وفي ظل هذا المشهد، يصبح هامش المناورة ضيقا الى حد كبير، ويغدو الانتقال نحو الدولة والمؤسسات والسيادة المسار الاكثر واقعية.

وإذا كانت المنطقة تتجه فعلا نحو قفلة سياسية واستراتيجية لمصلحة الدولة اللبنانية، فان ذلك لا يعني فقط انتهاء مرحلة اقليمية سابقة، بل يعني ايضا ان لبنان قد يكون في موقع يسمح له بان يكون من اوائل المستفيدين من المرحلة الجديدة التي تتشكل.

فالقفلة هنا ليست نهاية اللعبة، بل نهاية دور وبداية دور اخر. وفي لعبة الدومينو، من يفوز بالقفلة هو من يضع القطعة الاولى في الجولة التالية. لذلك فان المكسب الحقيقي لا يكمن فقط في الخروج من مرحلة الصراعات والمحاور، بل في الدخول الى المرحلة المقبلة من موقع المبادرة لا من موقع رد الفعل.

ومن هذا المنظور، فان السؤال لم يعد الى اين يتجه لبنان، لان اتجاه الريح اصبح واضحا، بل كيف سيستثمر افضلية الانطلاق التي تمنحه اياها التحولات الجارية. فاذا كانت المرحلة السابقة قد بدأت مع صعود نفوذ المشاريع الاقليمية بعد عام 2003، فان المرحلة القادمة قد تبدأ مع عودة الدولة اللبنانية الى الامساك بزمام المبادرة على ارضها.

وعندها لن يكون لبنان قد ربح دورا فحسب، بل سيكون قد كسب حق وضع اول قطعة في اللعبة الجديدة.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment