قمة السبع في فرنسا: ضغوط أميركية، تحوّلات إقليمية، ومصير لبنان بين مفترقين

06/15/2026 - 12:58 PM

Bt adv

 

 

بيروت - تحقيق حورج ديب

شهدت أعمال قمة مجموعة الدول السبع المنعقدة في فرنسا تحوّلاً لافتاً في الاهتمام الدولي بالملف اللبناني، بعدما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتجاه طرح خطة جديدة تهدف إلى إنهاء مرحلة سلاح "حزب الله" في لبنان، وإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة، في ظل مؤشرات على تغيّر في الموقف الإيراني بعد اتفاق أخير تسرّبت تفاصيله إلى الدوائر الدبلوماسية.

وبحسب مصادر سياسية ودبلوماسية شاركت في الاجتماعات، فإنّ ترامب وصل إلى القمة وهو يحمل ملفاً لبنانياً متكاملاً، يتضمن رؤية أميركية تعتبر أنّ الظروف الإقليمية والدولية باتت مهيّأة لفتح نقاش جدّي حول مستقبل السلاح خارج الدولة في لبنان، في ضوء ما وصفته المصادر بـ"تبدّل في حسابات طهران" التي أبدت، وفق الاتفاق الأخير، استعداداً لخفض دعمها لأذرعها الإقليمية، بما فيها "حزب الله".

هذا التطور، الذي لم تؤكده إيران رسمياً بعد، فتح الباب واسعاً أمام إعادة ترتيب المشهد اللبناني على أسس مختلفة، وسط اهتمام دولي متزايد بمصير بلد يعيش واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

ملف لبنان يدخل بقوة إلى طاولة السبع

ورغم أنّ جدول أعمال القمة كان مزدحماً بالملفات الاقتصادية العالمية، فإنّ الملف اللبناني حجز لنفسه مساحة واسعة من النقاشات، بعدما قدّم ترامب مداخلة مطوّلة حول "ضرورة إنهاء مرحلة السلاح غير الشرعي في لبنان"، معتبراً أنّ استمرار الوضع الحالي "يشكّل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي".

مصادر دبلوماسية أكدت أنّ الرئيس الأميركي شدّد أمام قادة الدول السبع على أنّ الوقت مناسب لفرض مسار جديد، مستنداً إلى ثلاثة معطيات أساسية:

1- تفاهم أميركي – أوروبي على ضرورة الحدّ من نفوذ إيران الإقليمي

2- تغيّر في موقف طهران بعد الاتفاق الأخير

3- اقتناع دولي بأنّ لبنان لم يعد يحتمل استمرار الوضع القائم

ووفق المعلومات، فإنّ ترامب دعا إلى "خطة دولية مشتركة" تتضمن إجراءات سياسية واقتصادية وأمنية، تهدف إلى تعزيز الدولة اللبنانية و"إعادة التوازن الداخلي".

لماذا الآن؟ خلفيات التحرك الأميركي

تقول مصادر مطلعة إنّ واشنطن ترى أنّ الظروف الإقليمية تغيّرت بشكل جذري خلال العامين الماضيين، ما يجعل فتح ملف "حزب الله" في لبنان أمراً ممكناً أكثر من أي وقت مضى.

1. تغيّر في موازين القوى الإقليمية

المنطقة تشهد إعادة رسم خرائط النفوذ، وإيران تواجه ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة، فيما تسعى دول عربية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الصراعات المفتوحة.

2. الاتفاق الأخير مع إيران

التسريبات تشير إلى أنّ طهران وافقت على خفض دعمها لأذرعها الإقليمية مقابل تخفيف بعض الضغوط الاقتصادية. وإن صحّ ذلك، فإنّ "حزب الله" سيكون من أبرز المتأثرين.

3. الانهيار اللبناني

واشنطن تعتبر أنّ الأزمة اللبنانية العميقة تشكّل فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، شرط أن يكون المجتمع الدولي مستعداً لتقديم الدعم.

ملامح الخطة الأميركية: نزع الشرعية قبل السلاح

وبحسب مصادر متابعة، فإنّ الخطة الأميركية لا تتحدث عن مواجهة عسكرية، بل عن مسار سياسي – اقتصادي – أمني طويل الأمد، يقوم على: نزع الشرعية السياسية عن السلاح عبر قرارات دولية، وتعزيز الجيش اللبناني ليصبح القوة الأمنية الوحيدة، وربط أي دعم اقتصادي بإصلاحات حقيقي وإعادة لبنان إلى موقعه العربي والدولي.

وتشير المصادر إلى أنّ واشنطن مستعدة لقيادة خطة إنقاذ اقتصادية كبرى للبنان، لكن بشروط واضحة تتعلق بضبط الحدود، ومحاربة التهريب، وإنهاء دور السلاح خارج الدولة.

فرنسا: دعم مشروط وحذر من الانفجار

فرنسا، التي تتابع الملف اللبناني عن قرب، أبدت استعداداً لمناقشة الخطة الأميركية، لكنها شدّدت على ضرورة تجنّب أي صدام داخلي قد يهدد السلم الأهلي.

مصادر فرنسية قالت إنّ باريس: تؤيد تعزيز دور الدولة اللبنانية،  ودعم الجيش اللبناني، وترفض أي خطوات متسرعة، وتفضّل الحلول التدريجية، لكنها تدرك أيضاً أنّ الوقت ينفد، وأنّ لبنان لم يعد يحتمل المراوحة.

إيران: قبول مضطر أم مناورة؟

الحديث عن التزام إيران بخفض دعمها لأذرعها الإقليمية أثار الكثير من التساؤلات. فهل هو تغيير استراتيجي أم مناورة لكسب الوقت؟

ما الذي تغيّر؟

- العقوبات الأميركية أثقلت الاقتصاد الإيراني

- القدرة على تمويل الحلفاء تراجعت

- طهران تسعى إلى تخفيف التوتر مع الغرب

لكنّ مراقبين يرون أنّ إيران لن تتخلى بالكامل عن "حزب الله"، لأنه ذراعها الأقوى في المنطقة، وعنصر ردع أساسي في مواجهة إسرائيل.

حزب الله: قراءة متوجسة للمشهد الجديد

في الداخل اللبناني، يتابع "حزب الله" التطورات بقلق واضح. فالمعادلات التي حكمت لبنان منذ 2005 تبدو اليوم أمام اختبار جديد. وهو كيف يقرأ الحزب التطورات؟

هناك قلق كبير من التحولات الإقليمية واستعداد لمواجهة سياسية داخلية، ومحاولة الحفاظ على الحاضنة الشعبية رغم الأزمة، ورفض قاطع لأي مسار يؤدي إلى نزع سلاحه، ويرى الحزب أنّ السلاح جزء من "معادلة الردع" التي تحمي لبنان، وأنّ أي محاولة لنزعه ستؤدي إلى "خلل استراتيجي".

لبنان: شعب منهك ودولة على حافة الانهيار

بعيداً عن السياسة، يعيش اللبنانيون واحدة من أصعب المراحل في تاريخهم الحديث. فالأزمة الاقتصادية دمّرت الطبقة الوسطى، والبطالة ارتفعت، والهجرة تتزايد، والخدمات الأساسية تنهار.

في شوارع بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع، تتكرر القصص نفسها: عائلات فقدت مدخراتها تماماً وشباب يبحثون عن فرصة للهجرة، ومرضى بلا دواء، طلاب بلا مستقبل.

اللبنانيون، الذين تعبوا من الصراعات، ينظرون إلى أي مبادرة دولية كفرصة للخروج من النفق، لكنهم يخشون أيضاً أن يتحول بلدهم إلى ساحة صراع جديدة.

لبنان أمام مفترق تاريخي

قمة السبع في فرنسا لم تكن مجرد اجتماع دولي، بل محطة مفصلية في مسار لبنان. فالخطة التي دفع بها ترامب لإعادة رسم مستقبل "حزب الله" في لبنان، والتسريبات حول تغيّر في الموقف الإيراني، والاهتمام الأوروبي المتزايد، كلها مؤشرات على أنّ لبنان يدخل مرحلة جديدة.

مرحلة قد تحمل فرصة للإنقاذ، وقد تحمل مخاطر الانفجار. لكن المؤكد أنّ اللبنانيين يستحقون دولة قوية، مستقرة، وقادرة على حماية مواطنيها، وأنّ المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: هل يساعد لبنان على النهوض، أم يتركه يغرق أكثر في الفوضى؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment