حسين عطايا
لا شكّ أنّ الاتفاق الأميركي–الإيراني الذي تمت الموافقة عليه ليل أمس، وبعد مسار طويل وشاق، قد وصل في ساعاته الأخيرة إلى حدّ إلغائه برمّته نتيجة بعض التصرفات والممارسات التي يُقال فيها أقلّ ما يُقال إنها عدوانية، وتريد الانتقام من الاتفاق قبل أن يولد. وقد ظهر ذلك من خلال المسيّرات الثلاث التي أطلقها حزب الله باتجاه مستوطنات شمال إسرائيل، والتي عبرت الحدود الفاصلة بين لبنان وفلسطين، ثم ردّت إسرائيل بغارة من أربعة صواريخ على شقّة في الغبيري، قالت أوساط إسرائيلية إنها مركز عمليات لحزب الله، وقد نُفّذت من دون أيّ إنذار، ما يدلّ على أنها قد تكون عملية اغتيال لأحد قادة أو كوادر الحزب.
هذا الأمر يُعبّر عن أنّ جهات كثيرة متضرّرة من الاتفاق، وفي طليعتها إسرائيل. ومن ناحية ثانية، قد تكون إيران، وعبر حزب الله، تريد زيادة في مطالبها للحصول على حصة أكبر من مكتسباتها. وقد أوصل هذا الأمر، في لحظة ما، إلى تدخّل الرئيس الأميركي شخصيًا، بما يملك من سلطة معنوية وقدرات، مع كلّ من رئيس حكومة إسرائيل ولومه على استهداف ضاحية بيروت في هذا التوقيت بالذات، وكذلك تدخّله عبر الوسطاء مع السلطة الإيرانية لعدم الردّ على استهداف الضاحية الجنوبية بعد أن هدّدت بردٍّ «مُزلزل»، عبر الحديث عن منحها «جوائز ترضية» أكبر في هذا المجال.
من هنا، يتبيّن أنّ هذا الاتفاق، ورغم كل التسريبات، يبقى دون وضوح في الرؤية وفي الحقيقة النهائية التي ينصّ عليها، بل إنّ كل ما يُقال عنه وحوله هو مجرد تكهّنات وتقارير صحفية لا أكثر، لأنّ الاتفاق بصيغته النهائية لم يُنشر بعد، وسيجري التوقيع عليه يوم الجمعة القادم في جنيف – سويسرا. وقبل ذلك التاريخ، وبما أنه لم يُنشر رسميًا، يبقى الأمر مجرد كلام غير رسمي وغير مؤكد.
لكن، رغم كل ما قيل وسيُقال عنه وحوله، فإنّ ما يهمّنا كلبنانيين هو ألّا نكون نحن المتضررين من نتيجته، وألّا يكون على حساب لبنان، من خلال تكريس التدخل الإيراني في الشأن اللبناني عبر إيهام الرأي العام بأنّ إيران هي من أصرت على إدخال لبنان في وقف إطلاق النار واستفادته منه، وإجبار إسرائيل على وقف حربها العدوانية عليه، رغم أنّ الحقيقة مغايرة تمامًا، لأنّ إيران وإسرائيل متورطتان بالتكافل والتضامن في الحرب على لبنان، كلٌّ من ناحيتها، وهما الدولتان اللتان أشعلتا الحرب فيه وعاثتا فيه تدميرًا وقتلًا.
لذا، من المهم أن يخرج لبنان من هذه الحرب بأقلّ الخسائر التي دفعها خلالها، وألّا يستمر أكثر في دفع الأثمان الباهظة. وهنا ننتظر لنرى النص الحقيقي الذي سيُبنى عليه لاحقًا، خصوصًا لجهة صرف الأموال المجمّدة، والتي قد تستعملها إيران لدعم حزب الله في لبنان للاستمرار في طغيانه أكثر، وإبقاء لبنان أسيرًا للسياسة والمصالح الإيرانية الفارسية.
إذن، إنّ كل ما يُقال عن دور إيراني كبير في إنقاذ لبنان هو مجرد وهم تحاول السلطة الإيرانية إيهام الرأي العام به، كونها أضعف من أن تكون قادرة على وقف الحرب وفرض إرادتها على إسرائيل لولا الراعي الأميركي. وكل ما تطمح إليه هو استمرار هيمنتها وتدخلها في الشأن اللبناني لتُبقي لها دورًا فيه، وتُبقي لبنان ساحة لممارسة نفوذها بما قد يساعدها على طاولة المفاوضات ويحقق بعضًا من طموحاتها ومصالحها.
لذا، على لبنان الرسمي أن يكون متنبهًا لما يُحاك في الغرف المغلقة وعلى طاولة المفاوضات، حتى لا يبقى ساحة صراع بين إسرائيل وإيران، وأن يحشد كل ما يستطيع في مفاوضات الأسبوع القادم في أيام ٢٢ و٢٣ و٢٤ في واشنطن، مستفيدًا من كل صداقاته وعلاقاته مع الأشقاء العرب ومع الإدارة الأميركية، لوضع جدول زمني لانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق الجنوبية التي احتلتها خلال الحرب الأخيرة، ودخول الجيش اللبناني ليكون وحده المسيطر والقادر على ممارسة مهامه على الأراضي المحررة، وتنظيفها من بؤر حزب الله وأنفاقه وبنيته العسكرية. وألا نعود إلى الممارسات السابقة خلال الخمسة عشر شهرًا الماضية، والتي لم تؤدِّ إلى تنفيذ قرار الحكومة الصادر في الخامس من آب الماضي حول حصرية السلاح وتنظيف منطقة جنوبي الليطاني. وبذلك تكون السلطة قد تعلّمت درسًا دفع ثمنه لبنان الوطن وشعبه نتيجة الدمار والخراب الذي أصابه، ومقتل الآلاف من مواطنيه الذين فاق عددهم الثلاثة آلاف وستمائة قتيل في حربٍ لا ناقة له بها ولا جمل.
وهنا، يُلقى الدور الأساس على كاهل رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية، مع ضرورة الانتباه لما يحيكه «الثنائي» الذي يحتكر تمثيل الطائفة الشيعية من ألاعيب وممارسات تُغلّب مصلحة إيران على مصلحة لبنان، وخصوصًا ما ظهر منها منذ الأمس وحتى اليوم من تصريحات وخطابات لافتة تهنّئ إيران وتبارك لها دورها في وقف الحرب وإنقاذ لبنان، ولا سيما تصريح الرئيس نبيه بري في رفضه العلني للمفاوضات المباشرة وترحيبه بالاتفاق ودور إيران فيه.
كل ذلك يجب أن يدفع بالسلطة اللبنانية إلى مزيد من الوعي والصلابة في أخذ دورها، وعدم الاستماع إلى الكلام المعسول من البعض الذي يبحث عن دورٍ له قد يُعوّمه على حساب لبنان وأبنائه.











06/15/2026 - 07:48 AM





Comments