بقلم: ناجي علي أمهز
لا يستقيمُ الحديثُ عن الوجدان المشرقي دون الانحناءِ إجلالاً أمام "الفكر" الماروني، ذلك العقل الذي لم يكن يوماً مجرد نتاجٍ جغرافي عابر، بل كان تجلياً أسمى لبريقِ الصمود في وجهِ أعاصيرِ التاريخ العاتية. إن القراءةَ الفينومينولوجية لخارطةِ العالم الإسلامي، وما شهدته من تحولاتٍ بنيوية قسريّة ومحاولات إخضاعٍ تاريخية، تضعُنا أمام معجزةٍ فكرية بطلُها العقل المسيحي، وتحديداً الماروني؛ ففي بيئةٍ سادت فيها الأنظمةُ الشمولية التي حاولت صهرَ التنوع في بوتقةٍ أحادية ضيقة، نجح هذا العقل في نحتِ كيانٍ سيادي عصيٍّ على الذوبان، محولاً ندرةَ العدد إلى فائضٍ في القيمة الإبداعية والحضارية. إن انبهاري بهذا العقل ينبعُ من قدرته الفائقة على الاستحالة من "أقليةٍ مهددة" إلى "مركزٍ إشعاعي" قادَ النهضة في سائر الميادين من الطب والتعليم إلى الدبلوماسية والسياسة، صانعاً تجربةً فريدة في الحريات وسط محيطٍ غارق في الرتابة، مما يجعلُ الحفاظ على ألقِ هذا العقل واجباً وجودياً يتجاوزُ التخندقات الطائفية الضيقة.
من هنا، يا سيد طوم حرب، أجدُ لزاماً عليّ مصارحتك بأن خطابك الراهن لا يعكسُ جوهرَ هذا العقل المتألق، بل يبدو استقالةً منه لصالح غريزةٍ تُعطل الرؤية الاستشرافية.
إنك تمارسُ السياسة بلغةٍ دعائية تشبه مَن يسوّق للسّمّ بدعوى أنه ترياقٌ لديدان المعدة، بينما الحقيقة الصارخة أن هذا الخطاب يقتلُ الوعي الإنساني فينا. إن نقدك المستمر لإيران ينطلقُ من عدم إدراكٍ حقيقي لتموضعات القوى الكبرى، من واشنطن إلى الفاتيكان، في تعاملها مع هذا الكيان المركّب.
لقد كنتُ يوماً مثلك، ضحيةً لبروباغندا "محور المقاومة" التي اختزلت إيران في ترسانةٍ عسكرية وتصدير المقاتلين، قبل أن يقودني الحوار مع كبار رجالات الكنيسة إلى استكشافِ "المسكوت عنه" في تاريخ إيران، ودورها في حماية التنوع الإثني والديني حتى حماية اليهود انفسهم عندما كانوا مضطهدين، وصولاً إلى دراسةِ المنظومة الفكرية للإمام الخامنئي.
هناك، أدركتُ أننا أمام امام ديني عظيم ورجلِ دولةٍ بمرتبةِ فيلسوف، لا ينظر إلى النظام العالمي كساحةِ حرب أو دعوة دينية ضيقة، بل كمجالٍ حيوي لحماية القيم الإنسانية عبر مفهوم "ردع الحرب" وصون تنوع الحضارات.
إن ما نطلق عليه "الجمهورية الإسلامية" هو في جوهره "جمهورية علوية" بالمعنى الفلسفي؛ دولةٌ تستلهمُ عبقرية الإمام علي بن أبي طالب في إدارة الحكم والعدالة. إيران لم تعتنق الإسلام السلفي الصحراوي، بل اعتنقت "الإسلام المحمدي" المفلتر بروحانيةٍ مشرقية وفلسفةٍ كونية، وهذا ما يفسر تلك الوشائج العميقة بين الفكر الشيعي والوجدان المسيحي.
إيران، وريثة الإمبراطوريات التي صاغت نواميس الفكر، وقد وجدت في فلسفة الإمام علي تقارباً روحياً مع روحها يتجاوز المصطلحات؛ لذا ليس مستغرباً أن يراقب الفاتيكان باهتمامٍ تنامي الحضور المسيحي وترميم الكنائس الأثرية في إيران، في وقتٍ كانت فيه "الظلامية الداعشية" تحطم التاريخ والجمال في أصقاعٍ أخرى. إن "العلويّة" الإيرانية حالةٌ فكرية تتطابق مع المسيحية في الجوهر القيمي، وكأن الإسلام الأصيل جاء ليكمل رسالة يسوع، وكأن إيران اليوم تكمل مسيرة الإمام الفيلسوف علي بن أبي طالب.
إن تحدي المعرفة يكمن في اكتشاف "المشابهات" لا "المتناقضات"؛ وأنا أتحدى أن يستخرج أحدٌ عشرة اختلافات جوهرية بين الديانة المسيحية والمذهب الشيعي في أبعادهما الطقوسية والإنسانية. يكفي أن تتأمل في "دعاء كميل" للإمام علي، لتدرك عمق المناجاة لـ "رب العالمين" كإلهٍ كوني لا يحدهُ معتقد، تماماً كما في سورة الفاتحة التي تعلنُ الله رباً للبشرية جمعاء.
وهنا أقول لك يا سيد طوم، إن معركتي الفلسفية كانت أيضاً مع الإعلام الشيعي العربي الذي غيّب مصطلحات الإمام علي الفلسفية، ظناً منه أن التقارب مع الخطاب العربي التقليدي سيجعله شريكاً في المنطقة، متناسين أن خلاف الإمام علي التاريخي مع المنظومة السائدة قبل قرون كان خلافاً فكرياً ووجودياً؛ لأنه لم يكن يعتنق فكرهم القبلي ولا أحكامهم العشائرية. مشكلتي معك ومع إعلام المحور هي في عزل إيران واختزالها بأسلوبٍ لا يشبه حقيقتها الإبداعية، فإيران التي عرفتها من خلال المسيحيين هي أعمق بكثير من تلك التي تُقدّم في الخطابات الجافة.
سيد طوم، إن مؤسسي "لبنان الكبير" وحراس هيكله التاريخيين لطالما سعوا للتمايز عن "العروبة" بمعناها الضيق، وعياً منهم بهويةٍ فينيقية لبنانية متجذرة. ورغم التقلبات السياسية والمصالح المادية، يظل الوجدان الماروني عصيّاً على الذوبان في فضاء الصحراء التي لا تشبه لبنان بخضرته وفيض ينابيع مائه. لذا، أدعوك لأن تتحول من "حرب" إلى "سلم"، وأن تتحدث بوقار العقل الماروني السياسي الموغل في التاريخ والمنير للمستقبل. والتوقف عن مهاجمة إيران بلغةٍ إعلامية تسويقية تفتقر إلى الرصانة، فالعقل المسيحي الذي تنتمي إليه هو عقلٌ "علمي ومعرفي"، لا يقبل أن يُختزل في مواقف انفعالية لا تليق بأرثه الفلسفي العظيم،
سيد طوم حرب نحن شيعة وأتباع الامام علي (ع) وتلاميذ مدرسته وفلسفته الانسانية التي هي أقربُ إلينا من حبل الوريد، ولا يوجد شيء يفصلنا عن المسيحيين كما لا يوجد قوة في العالم تفصل المسيحيين عنا، كل ما يحدث الان غيمة صيف عابرة والواقع والتاريخ والمسار والمصير والوجود الانساني، اقوى بكثير من المصطادين في الماء العكر.











06/14/2026 - 07:58 AM





Comments