حين يصبح الخطر داخلياً… المسيحيون في لبنان أمام امتحان وجودي لا يحتمل التأجيل

06/14/2026 - 09:32 AM

San diego

 

 

الاب البر حبيب عساف

في ظل الانهيار المتسارع الذي يعيشه لبنان، ومع تفكك مؤسسات الدولة وتراجع حضورها، يبرز سؤال وجودي يفرض نفسه بقوة على المسيحيين قبل غيرهم: من هو العدو الحقيقي الذي يهدد حضورهم ودورهم ومستقبلهم في هذا البلد؟

ورغم كل ما يُقال عن تغيّر ديموغرافي، وسلاح خارج الدولة، ونفوذ إقليمي متصاعد، وتراجع اقتصادي يضرب الجميع، إلا أن الحقيقة الأكثر قسوة ووضوحاً هي أن المسيحيين في لبنان يواجهون اليوم عدواً أخطر من كل ما حولهم: أنفسهم. فالمشكلة لم تعد في الآخر، بل في الذات التي تخلّت عن مشروعها، وتنازلت عن دورها، وسمحت للفراغ أن يبتلعها، وللانقسام أن ينهشها، وللأنانية السياسية أن تدمّر ما تبقى من حضورها.

المسيحيون في لبنان لم يُهزموا في حرب، ولم يُطردوا من أرضهم، ولم تُفرض عليهم غلبة بالقوة، بل هُزموا بالخيارات التي اتخذوها، وبالتحالفات التي عقدوها، وبالصمت الطويل أمام الفساد الذي ضرب مؤسساتهم قبل غيرهم، وبالانشغال بمعارك صغيرة لا تغيّر شيئاً في المعادلة الكبرى.

لقد تحوّلوا من أصحاب مشروع وطني كبير إلى جمهور ممزّق بين زعامات متصارعة، ومن صانعي الدولة إلى شهود على انهيارها، ومن قوة سياسية مؤثرة إلى طرف يتراجع دوره كل يوم بسبب غياب الرؤية وغياب القيادة وغياب القرار. والمفارقة أن المسيحيين، الذين كانوا يوماً العمود الفقري للدولة ومؤسساتها، باتوا اليوم أكثر الأطراف تشتتاً وضعفاً في لحظة تحتاج إلى وحدة قرار ورؤية واضحة.

فالأحزاب والجمعيات المسيحية، التي يفترض أن تكون حاملة لمشروع وطني جامع، غرقت في صراعات داخلية أنهكت جمهورها وأضعفت حضورها، بينما تحوّلت المنافسة على الزعامة إلى هدف بحد ذاته، ولو على حساب الدولة التي تشكل الضمانة الوحيدة لوجودهم. الهجرة التي تستنزف الوجود المسيحي ليست نتيجة مؤامرة خارجية، بل نتيجة يأس داخلي، وغياب رؤية سياسية قادرة على طمأنة الشباب بأن لهم مستقبلاً في هذا البلد.

فالشباب المسيحي لا يهاجر لأنه يريد الرحيل، بل لأنه لم يعد يرى في لبنان مشروعاً يستحق البقاء، ولا قيادة تستحق المتابعة، ولا دولة تستحق الدفاع عنها. والمؤسسات المسيحية التي كانت يوماً نموذجاً في التعليم والصحة والإدارة، تراجعت تحت وطأة الفساد وسوء الإدارة وغياب التخطيط، فيما بقي الخطاب السياسي المسيحي أسير الماضي، غير قادر على إنتاج رؤية جديدة تتناسب مع واقع جديد.

والمسيحيون، الذين كانوا رواد التعليم والصحافة والاقتصاد، باتوا اليوم عاجزين عن إنتاج مشروع واحد يجمعهم، أو رؤية واحدة تحميهم، أو قيادة واحدة تتقدم الصفوف في لحظة مصيرية. وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يدرك المسيحيون أن معركتهم اليوم ليست مع أحد، بل مع أنفسهم؟ وهل يملكون الشجاعة لمواجهة الحقيقة قبل فوات الأوان؟

الحلّ لا يأتي من الخارج، ولا من صراع طائفي، ولا من انتظار متغيّرات إقليمية. الحلّ يبدأ من الداخل، من إعادة بناء الذات قبل مواجهة الآخر، ومن الاعتراف بأن العدو الحقيقي ليس خارج الحدود، بل في الخيارات التي تُتخذ داخل البيت الواحد. الحلّ يبدأ حين يقرر المسيحيون أن يكونوا أصحاب مشروع لا أتباع مشاريع، وأن يعودوا إلى الدولة لا إلى الزعامات، وأن يضعوا مصلحة الوجود فوق مصلحة المقعد، وأن يختاروا الوحدة بدل الانقسام، والرؤية بدل الفوضى، والجرأة بدل الخوف.

الحلّ يبدأ حين تتوقف القيادات المسيحية عن خوض معارك صغيرة لا تصنع دولة، وحين تتفق على مشروع واحد: حماية الدولة لأنها الحصن الأخير للجميع.

الحلّ يبدأ حين يعود المسيحيون إلى دورهم الطبيعي: صانعي الدولة، لا شهوداً على سقوطها.

الحلّ يبدأ حين يقرر المسيحيون أن الهجرة ليست قدراً، وأن الفراغ ليس مصيراً، وأن الانقسام ليس هوية، وأن الخوف ليس سياسة.

الحلّ يبدأ حين يقرر المسيحيون أن يكونوا كما كانوا: قوة عقلانية، قوة مؤسسات، قوة تعليم، قوة اقتصاد، قوة حرية، قوة دولة.

وحتى ذلك الحين، يبقى الواقع واضحاً وصادماً: المسيحيون في لبنان يواجهون اليوم أخطر مرحلة في تاريخهم، والتهديد الأكبر لوجودهم ليس ما يفعله الآخرون بهم، بل ما يفعلونه هم بأنفسهم. لكن الأمل لا يزال ممكناً، والفرصة لا تزال قائمة، شرط أن يملكوا الشجاعة لقول الحقيقة، والجرأة لاتخاذ القرار، والإرادة لاستعادة الدور.

فالمستقبل لا يُمنح، بل يُنتزع، ومن يملك الشجاعة يملك البقاء.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment