م. ميشال كلاغاصي
على الرغم من خطورة وقساوة ما يحصل في أوكرانيا، "يبدو أن فريقاً داخلياً في أرمينيا يسير على خطاها، ويكرر أخطائها"، إذ لا يمكن لحكومة يرفان أن تجمّد حضورها في الحلف الأمني الذي تقوده روسيا، في محاولة للإلتحاق بالإتحاد الأوروبي من خلال انعطافةٍ تاريخية تعتقدها مجانية...
انتهت الإنتخابات البرلمانية في أرمينيا بفشل نيكول باشينيان في الحصول على 50% من الأصوات، وسط الإتهامات بعديد الإنتهاكات وغياب النزاهة والشفافية، ومحاولات التزوير، وتدخل الجهات الأمنية - الإستخبارية والسياسية المحلية والخارجية.
وعلى الرغم من فوز الحزب الحاكم بقيادة باشينيان، لكن نتائج الإنتخابات لم تحسم مصير البلاد وقرارها السياسي، وأظهرت تراجع هيمنة الحزب الحاكم على البرلمان، وزيادة حصة المقاعد البرلمانية لصالح أحزاب المعارضة، بعدما حوّل الفساد والتدخل الخارجي العملية الانتخابية إلى ما يشبه مسرحيات الإنتخابات في الدول اللاديمقراطية...
من الواضح أن الإهتمام والدعم الخارجيين لفوز باشينيان جعل منه سلعةً مطلوبة خارج أرمينيا أكثر منها في داخلها، ودفع لإستخدامه للنيل من موسكو ولجر أرمينيا بعيداً عن الفضاء والمعسكر الروسي، ورميها في أحضان الغرب والإتحاد الأوروبي والناتو، ناهيك عن تشتت المعارضة وضعفها وتناحرها الدائم، وفشلها في تبني أفكاراً واحدة، أمورٌ ساعد باشينيان على الفوز مجدداً، لكنها لن تمرّ بدون أثمانٍ باهظة سيدفعها الشعب الأرميني لعدم تمكنه من حسم خياراته وقيادته ووحدته الوطنية وخياراته الخارجية.
وعلى الرغم من خطورة وقساوة ما يحصل في أوكرانيا، "يبدو أن فريقاً داخلياً في أرمينيا يسير على خطاها، ويكرر أخطائها" - بحسب الرئيس بوتين -، إذ لا يمكن لحكومة يرفان أن تجمّد حضورها في الحلف الأمني الذي تقوده روسيا، وتحاول الإلتحاق بالإتحاد الأوروبي من خلال انعطافةٍ تاريخية تعتقدها مجانية، إذ يخطئ من يعتقد بإمكانية نجاح أرجحة أرمينيا ما بين أوروبا وروسيا، والإنضمام إلى الإتحاد الجمركي الأوروبي، والإتحاد الاقتصادي الأوراسي في اّنٍ واحد.
في وقتٍ لا يزال فيه لا البعض في أرمينيا يتذرعون بالموقف الروسي حول أحداث آرتساخ (ناغورنو كاراباخ)، وبأن روسيا وقفت مكتوفة الأيدي، ولم تقدم دول معاهدة الأمن الجماعي الحماية التي راهنت عليها أرمينيا، وسط تجاهلهم عدم قانونية تدخل دول المنظمة في حربٍ تدور رحاها على الأراضي الأذربيجانية.
وفي المحصلة، أدت تداعيات الصراع الفاشل مع أذربيجان إلى انهيار أخلاقي خطير في المجتمع الأرميني، وإلى خروج جيلٍ شاب يحمل نزعةً قومية متشددة، همه السعي نحو السلام والتقارب مع الغرب بأي ثمن، فوقع فريسة استغلال القوى السياسية الحاكمة، والجهات الخارجية المتربصة بروسيا وأرمينيا وكافة دول الفضاء الأوراسي،
إن لجوء باشينيان إلى تزوير الانتخابات البرلمانية، يُثبت انهيار الديمقراطية في ذهنية النظام الحاكم الذي يمثله، كذلك يُقدم الداعمين الغربيين لباشينيان عبر تدخلاتهم غير المسبوقة في الشؤون الداخلية الأرمينية، دليلاً قاطعاً على دعمهم لديكتاتورية وهيمنة الحزب الحاكم على الانتخابات رغم الإنتهاكات والإعتقالات وتزوير النتائج، بهدف ضمان فوزه واستيلائه على السلطة مقابل رضوخه لإتّباع سياسةٍ خارجية تخدم مصالح القوى الخارجية الساعية لإستخدامه ودولته بمشاريع خطيرة، تستهدف السيطرة على جنوب القوقاز وإنشاء طريق مباشر من آسيا الوسطى إلى أوروبا عبر تركيا، ومشاريع أخرى كـ "طريق ترامب"، ناهيك عن خطط الخاصة بالتركيز على التكامل مع المحيط الأوروبي، وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، والسير على طريق إنضمام أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي.
يحاول باشينيان استغلال الخطاب المعادي لروسيا لتوسيع نطاق النتائج الإنتخابية لحزبه والحصول على الأغلبية الدستورية لتعويض خسارة الهيمنة على البرلمان، بهدف الوفاء بوعوده لداعميه الخارجيين بإعادة كتابة الدستور الأرميني تجاوباً لمطالب أذربيجان، التي أجبرته بدعمٍ غربي، على الاستسلام دون قيد أو شرط.
لا بد لباشينيان من إتخاذ بعض الخطوات التي تكفل تهدئة مخاوف موسكو جراء سياسته المعادية لها، لتخفيف أو تحييد الإجراءات الإقتصادية التي قد تتخذها موسكو رداً على سياساته المزدوجة، خصوصاً مع إعلانه في أعقاب الهزيمة في الحرب (كاراباخ)، إلى التكيف مع الواقع الجديد، واعتباره كلاً من أذربيجان وتركيا "شريكين إقتصاديين".
يبدو أن المشهد الأرميني بات ينحصر ما بين باشينيان اللاهث وراء الإندماج في الإتحاد الأوروبي، وإلتزام وتمسّك المعارضة بالحفاظ على العلاقات مع روسيا، وبعضويتها في الإتحاد الاقتصادي الأوراسي، في وقتٍ تضغط فيه موسكو على حكومة باشينيان وتطالبها بالإختيار، في أجواء داخلية متوترة، وفي ظل التطورات السلبية المتوقعة نتيجة الشرخ والإنقسام الداخلي، الذي قد يؤدي إلى انهيار النظام الحاكم واندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً وأن أرمينيا باتت بحاجة إلى تحريرها الوطني الداخلي قبل تحرير قرارها وخيارتها السياسية الخارجية.
لا يمكن للشعب الأرمني بغالبيته قبول إهانة تاريخ الأمة البطولي، ومحو ذكرى عشرات الملايين من الشهداء الأرمن الذين سقطوا ضحايا الإبادة الجماعية التي ارتكبها الأتراك عام 1915وما تلاها، وكذلك أبطال وشهداء الدفاع عن اّرتساخ، لتتحول على يد باشينيان إلى أرض أذربيجانية ذات سيادة، وتصبح كلاً من تركيا وأذربيجان شركين إقتصاديين لأرمينيا.











06/13/2026 - 11:39 AM





Comments