لبنان يغرق: ضريبة أم خُوّة؟

06/07/2026 - 18:32 PM

Metrolink.com

 

 

علي جزائري *

حين يدفع المواطن ضريبة، فهو يفعل ذلك على قاعدة واضحة وبديهية: يدفع للدولة فتؤمن له الخدمات والحماية والبنى التحتية والحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة. فالضريبة في جوهرها ليست عقوبة ولا استباحة للجيب، بل عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن، يقوم على الحقوق كما يقوم على الواجبات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في لبنان هو: ماذا نسمي الأموال التي تُجبى من المواطنين عندما يغيب المقابل بالكامل؟

يدفع اللبناني الرسوم والضرائب المباشرة وغير المباشرة، ويدفع فواتير الكهرباء مرتين، مرة للدولة ومرة للمولدات الخاصة. يدفع ثمن المياه ثم يشتري المياه المعبأة. يدفع بدل الاتصالات وهو يعاني من خدمات متواضعة. يدفع الرسوم البلدية فيما الطرقات محفرة والبنى التحتية تتآكل عاماً بعد عام.

في الدول الطبيعية، يشعر المواطن بأن جزءاً من دخله يعود إليه على شكل خدمات. أما في لبنان، فقد أصبح الشعور السائد أن المطلوب من المواطن أن يدفع باستمرار، بينما تتراجع الخدمات باستمرار أيضاً. وهنا يفقد مفهوم الضريبة معناه الحقيقي، لأن الضريبة ليست مجرد جباية، بل التزام متبادل بين الدولة والمجتمع.

الأخطر من ذلك أن المواطن اللبناني لم يعد يشعر فقط بثقل الأعباء المالية، بل بفقدان العدالة أيضاً. فكل زيادة في الرسوم أو الضرائب تُطرح تحت عنوان إنقاذ المالية العامة، فيما تبقى الأسئلة الجوهرية بلا جواب: أين ذهبت الأموال؟ أين الإصلاح؟ أين المحاسبة؟ وأين الدولة التي يفترض أن تكون شريكاً للمواطن لا عبئاً إضافياً عليه؟

إن الشعوب تستطيع أن تتحمل الضرائب عندما ترى نتائجها في المدارس والمستشفيات والطرقات والنقل العام والأمن والخدمات. لكنها تفقد ثقتها عندما تتحول الجباية إلى غاية بحد ذاتها، وعندما يصبح المطلوب من الناس المزيد من الدفع مقابل القليل من الدولة.

لبنان اليوم لا يعاني فقط من أزمة مالية أو اقتصادية، بل من أزمة ثقة عميقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالمشكلة ليست في مبدأ الضريبة، بل في غياب المقابل الذي يبررها ويمنحها مشروعيتها الأخلاقية والقانونية.

وعندما يشعر المواطن أنه يدفع ولا يحصل على شيء، وأنه يتحمل الأعباء فيما تتراكم الأزمات من حوله، يصبح السؤال مشروعاً ومؤلماً في آن واحد: هل ما يُدفع هو ضريبة بالفعل، أم أنه مجرد خُوّة تُفرض على شعب يزداد فقراً بينما يزداد وطنه غرقاً؟

فالدولة التي تطلب من مواطنيها التضحية مطالبة أولاً بأن تقدم نموذجاً في الشفافية والكفاءة والمحاسبة. أما الاكتفاء بالجباية من دون إصلاح، فهو طريق لا يؤدي إلا إلى مزيد من الانهيار ومزيد من فقدان الثقة، وهي الثروة التي لا يمكن لأي دولة أن تعيش من دونها.
 

* محلل سياسي اجتماعي ديني

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment