الاعلامية سيلفانا سمعان *
السؤال ليس كيف يمكن نزع سلاح حزب الله داخل لبنان، بل لماذا يُصرّ الخطاب السياسي على مقاربته كمسألة داخلية أصلًا، رغم أن شروطه الفعلية تُنتج خارج الحدود اللبنانية.
نزع سلاح حزب الله لا يمكن قراءته كملف لبناني داخلي بالمعنى التقليدي، بل كمشكلة تتشكل عند تقاطع ثلاث دوائر مترابطة: ديناميكية الردع بين إسرائيل وحزب الله، التموضع الإقليمي لإيران، وإدارة الولايات المتحدة لاحتمالات التصعيد وضبطه. وعليه، فإن ما يُقدَّم كقرار سيادي لبناني يبقى فعليًا انعكاسًا لبنية إقليمية أوسع لا يملك لبنان القدرة على التحكم بمخرجاتها بشكل منفرد.
الدولة اللبنانية، في هذا السياق، لا تعمل كفاعل سيادي متماسك، بل كبنية سياسية قائمة على توازن داخلي هش بين مؤسسات رسمية وقوى حزبية وشبكات اجتماعية طائفية، إضافة إلى ضغط خارجي دائم. هذا الواقع يجعل من مفهوم نزع السلاح مسألة غير تقنية، لأنه لا يتعلق بإجراء إداري أو أمني يمكن تنفيذه بشكل خطي، بل بإعادة توزيع القوة داخل نظام سياسي غير مكتمل السيادة. وتظهر التجربة اللبنانية في السنوات الأخيرة حدود هذا التصور بوضوح، إذ إن أي مقاربة رسمية لتقييد السلاح غير الشرعي تصطدم بقيود القدرة التنفيذية للدولة وبحساسية أي مسار قد يُقرأ كاستهداف لمكوّن داخلي، وهو ما تعتبره المؤسسة العسكرية عاملًا مباشرًا في منع الانزلاق إلى صراع أهلي.
في المقابل، لا يمكن فهم موقع السلاح في حالة حزب الله خارج منظومة ردع إقليمية أوسع مرتبطة بإيران وإسرائيل. فمنذ تصاعد جبهات الاشتباك بعد ٢٠٢٣، وتوسع العمليات العسكرية خلال ٢٠٢٤، لم تعد الجبهة اللبنانية معزولة أو قابلة للفصل الجغرافي عن مسارات الصراع الإقليمي. الضربات الإسرائيلية التي امتدت إلى العمق اللبناني، بما في ذلك مناطق في الضاحية الجنوبية والبقاع، إلى جانب تكرار أنماط الاشتباك على الحدود الجنوبية، تشير إلى أن حدود المواجهة لم تعد ثابتة بل مرتبطة بإيقاع التصعيد الإقليمي. في هذا السياق، لا يُقرأ أي تغيير في طبيعة هذا السلاح كقرار داخلي لبناني، بل كتحول محتمل في ميزان الردع بين إيران وإسرائيل، بما يتجاوز الساحة اللبنانية نفسها.
هذا التعقيد يتفاقم بفعل التحول في المقاربة الإسرائيلية التي باتت تتعامل مع حزب الله ليس كفاعل لبناني منفصل، بل كجزء من منظومة تهديد إقليمي مرتبطة بإيران. هذا التحول أدى عمليًا إلى تراجع فكرة فصل الجبهات لصالح دمجها ضمن تصور أوسع للأمن الإقليمي، وهو ما انعكس في توسيع نطاق العمليات العسكرية خارج الجنوب التقليدي، وفي التعامل مع مناطق مدنية كثيفة السكان كجزء من بيئة عسكرية محتملة. ونتيجة لذلك، تتسع الفجوة بين منطق الدولة اللبنانية القائم على السيادة الداخلية، ومنطق الردع الإسرائيلي الذي يتحرك ضمن إطار إقليمي غير مقيد بالحدود.
في موازاة ذلك، تتبنى الولايات المتحدة مقاربة مختلفة تقوم على إدارة المخاطر أكثر من حلها. فهي من جهة تدعم خطاب تعزيز الدولة اللبنانية وتقوية الجيش، لكنها من جهة أخرى تدرك أن أي محاولة لفرض نزع سلاح مباشر أو صدام داخلي مع حزب الله قد تؤدي إلى انهيار أمني واسع. هذا التناقض يفضي إلى سياسة تقوم على احتواء التصعيد ومنع الانفجار بدل إنتاج تسوية نهائية، ما يرسخ عمليًا حالة لا حل، حيث يستمر الضغط السياسي دون توفر شروط الحسم.
حتى الطروحات الافتراضية لمفاوضات مباشرة بين لبنان وإيران حول هذا الملف تبدو أقرب إلى اختبار نظري لحدود الفرضية، لأنها تفترض قابلية فصل عناصر داخل بنية نفوذ إقليمي لا يعمل بمنطق الفصل أصلًا، بل بمنطق التداخل وإعادة توزيع التوازنات.
ضمن هذا الإطار، تفترض معظم المقاربات السياسية تسلسلًا خطيًا يبدأ بالتوافق الداخلي ثم قرار الدولة فالتنفيذ التدريجي وصولًا إلى الاستقرار. إلا أن هذا التسلسل لا يجد له تطبيقًا في الحالة اللبنانية، لأن عناصر القوة العسكرية والتوازنات الإقليمية والانقسام الداخلي ليست مراحل منفصلة بل بنى متداخلة. لذلك، فإن نزع السلاح لا يمكن أن يكون نقطة انطلاق لإعادة بناء الدولة، بل نتيجة محتملة لتحول إقليمي أوسع لم يتبلور بعد.
وتظهر التطورات الميدانية خلال ٢٠٢٤ وما بعدها عمق هذا الانسداد، مع توسع نطاق الضربات داخل العمق اللبناني، واستمرار النزوح الجزئي من مناطق الجنوب والبقاع، وتآكل الخط الفاصل بين المجال المدني والمجال العسكري، بما يعكس غياب آلية مستقرة لضبط التصعيد حتى في ظل تفاهمات تهدئة متكررة. هذا الواقع يشير إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بوجود سلاح خارج الدولة، بل ببنية مواجهة منخفضة الشدة غير محسومة.
في ضوء ذلك، لا يبدو نزع سلاح حزب الله مشروعًا إداريًا أو سياسيًا داخليًا، بل نتيجة محتملة لإعادة تشكيل أوسع في توازن الردع الإقليمي. وفي غياب هذا التحول، تبقى كل المقاربات محكومة بثلاث نتائج متكررة: تعطيل التنفيذ، أو تصعيد داخلي، أو إدارة دائمة لأزمة غير محسومة.
بالتالي، لا يبدو أن نزع السلاح في الحالة اللبنانية قابلًا للطرح كسياسة داخلية أصلًا، بل كترجمة متأخرة لتوازن ردع إقليمي يُحسم خارجه، لا داخله. في هذا المعنى، يظل التعامل معه كملف سيادي مستقل اختزالًا يبتعد عن بنية المشكلة الفعلية، أكثر مما يقترب من شروطها الواقعية. وهنا، لا يعود النقاش حول نزع السلاح نقاشًا سياسيًا داخليًا بالمعنى الضيق، بل يصبح حول الشروط التي تجعل احتكار الدولة للسلاح قابلًا للتطبيق أصلًا داخل بيئة إقليمية معقدة. أي أن الإشكال لا يكمن في الإرادة المعلنة بقدر ما يكمن في البنية التي تحدد حدود هذه الإرادة وإمكاناتها الفعلية.
لماذا يُصرّ الخطاب السياسي على إعادة إنتاج هذا الملف كقضية داخلية قابلة للحسم ضمن أدوات داخلية، رغم أن شروط تشكّله الأساسية تقع خارج هذا الإطار؟ أم أن الإشكال لم يعد في غياب الحلول، بل في الإصرار على تعريف المشكلة نفسها داخل إطار لا يسمح أصلًا بإنتاج حلول قابلة للتطبيق؟












06/07/2026 - 17:45 PM





Comments