مفيد خطَّار
فِي بَلَدٍ يَرْزَحُ تَحْتَ أَزَماتٍ مُتَلاحِقَةٍ، مِنَ الانْهِيارِ الاقْتِصادِيِّ إِلَى الْقَلَقِ الْيَوْمِيِّ الَّذِي يَنْهَشُ تَفاصِيلَ الْحَياةِ، يَكْثُرُ السُّؤالُ عَنِ الْمَسْؤولِ: مَنْ أَوْصَلَ لُبْنانَ إِلَى هُنا؟
لٰكِنَّ السُّؤالَ الْأَعْمَقَ رُبَّما هُوَ: مَتَى بَدَأَ سُقُوطُ الْوَطَنِ فِينَا نَحْنُ؟
ما يَعِيشُهُ اللُّبْنانِيُّونَ الْيَوْمَ لا يُشْبِهُ مُجَرَّدَ أَزْمَةِ دَوْلَةٍ، بَلْ يَكْشِفُ تَصَدُّعًا أَبْطَأَ وَأَخْطَرَ فِي الْعَلاقَةِ بَيْنَ الْإِنْسانِ وَضَمِيرِهِ. فَالْأَوْطانُ لا تَنْهارُ فَقَطْ حِينَ تَسْقُطُ الْمُؤَسَّساتُ، بَلْ حِينَ يَعْتادُ النّاسُ ما كانُوا يَرْفُضُونَهُ يَوْمًا، وَحِينَ يُصْبِحُ الْخَطَأُ جُزْءًا مِنَ الْحَياةِ الْيَوْمِيَّةِ لا صَدْمَةً أَخْلاقِيَّةً.
الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي غِيابِ الدَّوْلَةِ وَحْدَهُ، بَلْ فِي إِنْسانٍ يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ وَيُؤَجِّلُها، يَرَى الْخَلَلَ وَيَتَكَيَّفُ مَعَهُ، وَيُطالِبُ بِالتَّغْييرِ مِنْ دُونِ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْ تَغْييرِ نَفْسِهِ.
كَيْفَ يُمْكِنُ لِوَطَنٍ أَنْ يُبْنَى فِي الْخارِجِ، فِيما لَمْ يُبْنَ بَعْدُ فِي الدّاخِلِ؟
فَالْوَطَنُ لَيْسَ عَلَمًا وَلا نَشِيدًا فَقَطْ، بَلْ شُعُورٌ بِالْمَسْؤولِيَّةِ. وَحِينَ يَضْعُفُ هٰذا الشُّعُورُ، تَفْقِدُ الشِّعاراتُ مَعْناها، وَتَتَحَوَّلُ الْكَلِماتُ الْكَبِيرَةُ إِلَى فَراغٍ يَتَكَرَّرُ فِي الْخُطَبِ أَكْثَرَ مِمّا يُتَرْجَمُ فِي الْحَياةِ.
نَغْضَبُ مِنَ الْفَسادِ، ثُمَّ نَبْحَثُ عَنِ اسْتِثْناءٍ لِأَنْفُسِنا. نَلْعَنُ الْمَحْسُوبِيّاتِ، ثُمَّ نَلْجَأُ إِلَيْها عِنْدَ أَوَّلِ اخْتِبارٍ. نُطالِبُ بِدَوْلَةٍ عادِلَةٍ، لٰكِنَّنا كَثِيرًا ما نَقْبَلُ بِالالْتِفافِ عَلَى الْعَدالَةِ حِينَ تَمَسُّ مَصالِحَنا.
وَفِي قَلْبِ هٰذا الْمَشْهَدِ، يَكْبُرُ خَوْفٌ صامِتٌ لا تُظْهِرُهُ نَشَراتُ الْأَخْبارِ: خَوْفُ أَبٍ يَعْجِزُ عَنْ طَمْأَنَةِ أَوْلادِهِ، وَأُمٍّ تُخْفِي قَلَقَها كَيْ يَمُرَّ النَّهارُ بِأَقَلِّ الْخَسائِرِ الْمُمْكِنَةِ.
يَبْدَأُ سُقُوطُ الْوَطَنِ حِينَ يُصْبِحُ الْإِنْسانُ خائِفًا مِنْ قَوْلِ الْحَقِيقَةِ، أَوْ حِينَ يَتَحَوَّلُ الصَّمْتُ عَنِ الْخَطَأِ إِلَى نَوْعٍ مِنَ التَّعايُشِ مَعَهُ. فَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فَقَطْ فِي ارْتِكابِ الْأَخْطاءِ، بَلْ فِي الْقُدْرَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ عَلَى تَبْرِيرِها.
وَقَبْلَ أَنْ نَسْأَلَ: مَنْ أَفْسَدَ لُبْنانَ؟ رُبَّما عَلَيْنا أَنْ نَسْأَلَ أَيْضًا:
كَمْ مَرَّةً عَرَفْنا وَسَكَتْنا؟
وَكَمْ مَرَّةً اخْتَرْنا راحَتَنا عَلَى حِسابِ ما نُؤْمِنُ أَنَّهُ حَقٌّ؟
لُبْنانُ لَيْسَ ما يَظْهَرُ فِي السِّياسَةِ وَحْدَها، بَلْ ما يَخْتَبِئُ فِي نُفُوسِ أَبْنائِهِ أَيْضًا. وَحِينَ يَضْعُفُ الضَّمِيرُ، تَبْدَأُ الْأَوْطانُ بِالتَّآكُلِ بِصَمْتٍ، قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ انْهِيارُها فِي الشَّوارِعِ وَالْمُؤَسَّساتِ.












06/07/2026 - 18:19 PM





Comments