براثن الغباء في انتظارك، إحذر واتَّبع الطريقة المثلى للنجاة

06/04/2026 - 11:21 AM

San diego

 

 

د. نعيمة عبد الجواد

"العقل" من أهم السمات التي اختص بها الخالق جميع مخلوقاته من البشر. وبالرغم من أن الحيوانات، وعلى وجه الخصوص الرئيسيات، تتمتَّع أيضًا بوجود "مخ" بداخل حافظة الدماغ، إلَّا أن العقل البشري يفوقها في القدرات الذهنية بآلاف من المرَّات. فبالنظر إلى العقل البشري، يلاحظ تمتَّعه بالقدرة على التفكير والتحليل والتخزين وحل المشكلات، في حين تتصرَّف المخلوقات الأخرى وفقًا للغريزة، والتي قد تبدو لوهلة مثيرة للإعجاب؛ لكن يجب معرفة أن الغرائز تبرع في عمليات غالبًا ما تكون أحادية المهارة، ولا يمكن أن تتطوَّر لتصبح منظومة متكاملة من التحليل والتفكير والتنظيم. وعندما يجنح الفرد لإعلاء كفَّة ميزان الغريزة بداخل عقله، ينبلج "الغباء" في صورة لا يمكن أن يماريه فيها أيٍّ من الحيوانات.

وحتى لا تتحكَّم الغرائز في العقل البشري، كان من الواجب تغذية العقل بكل ما هو مفيد ورصين ليصبح قدوة يحتذي بها. ولهذا السبب كان يردد ناصحًا الكاتب الألماني موسُوعِي الفكر والمعرفة والمهارات "يوهان فولفجانج فون جوته" Johann Wolfgang von Goethe (1749-1842): "ينبغي على المرء، يوميًا على الأقلّ، أن يستمع لأغنية قصيرة، ويقرأ قصيدة جيِّدة، ويشاهد صورة جميلة، وإذا كان من الممكن، أن يتفوَّه ببضع كلمات عقلانية." فكلّ هذه الوسائل الي ينصح بها "جوته" ما هي إلَّا أدوات لتدريب العقل لتلافي الوقوع في براثن الغباء التي من شأنها أن تنتقص من شخصية ونجاح الفرد بداخل المجتمع.

ومناقشة الغباء وأسبابه مشكلة شغلت فكر العلماء والفلاسفة منذ الأزمنة الغابرة؛ وذلك لأن البشر أجمعين تزل قدمهم في حفرة الغباء بشكل أو بآخر، حتى ولو كان الفرد مصنَّفًا بأنه من ذوي القدرات الذهنية الفائقة والذكاء الحاد. ولقد ناقش الكاتب الفرنسي "جون-فرانسوا مارميون" Jean-Francois Marmion في كتابه "فلسفة الغباء" The Psychology of Stupidity (2019) أن تعريف صفة "الغباء" في حد ذاتها ملغزة بعض الشيء، فلا يقتصر نعت الآخر بالغباء لوجود قصور ذهني فقط: لأن كل تصرُّف أحمق تتغلَّب فيه العاطفة على العقل في أوقات غير مواتية يعد ضربًا من ضروب الغباء. والسبب في ذلك أنه ببساطة كل تصرُّف غبي ينتقص من شخصية الفرد أمام المجتمع، وقد يجعل تقدير الذَّات يتراجع للحضيض، مما قد يسبب مشكلات نفسية جسيمة. ولهذا، يجب قدر المستطاع ألَّا يحيد الإنسان عن التفكير العقلاني، وإن كان ذلك ليس بالأمر اليسير. ومن ثمَّ، كان يردد "جوته" في هذا الشأن: "التفكير سهل، والتنفيذ صعب؛ لكن أصعب الأشياء على الإطلاق هو التنفيذ وفقًا لأفكارك."

 ويعد الكاتب والروائي والشَّاعر والعالم ورجل الدولة "يوهان فولفجانج جوته" من الشخصيات الفريدة حادة الذكاء التي استطاعت أن تفرض أفكارها وشهرتها عالميًا وأن تخلِّد سيرتها عبر العصور والأزمنة. وبكفي القول أن "جوته" يتم وضعه في مصاف الفلاسفة وكبار المفكِّرين، ولقد نال استحسان ومديح كل من تعامل معه، وتغنى بقصائده وألَّف لها أعذب الألحان "بيتهوفن" و"موتسارت"، وامتدت صداقته بالكاتب والشاعر الألماني "شيللر" Schiller طوال العمر، لدرجة أن تابوتي جثمانهما وضعا متجاورين في المقبرة التاريخية بألمانيا. والأفضل من كل هذا وذاك، أن تفكيره كان شديد العقلانية وكان يداوي جراحه وعثراته النفسية بالكتابة، مما صنع منه أيقونة الأدب والفكر الألماني في كل العصور.

ولقد ولد "جوته" في مدينة فرانكفورت الألمانية التي كانت تعتبر دولة داخل الدولة؛ فلقد كانت موئلّا للأثرياء الذين أسسوا نظم وقوانين اجتماعية تتناسب والجو العام في مدينتهم التي تتميِّز بالثراء والرفاهية. وكان "جوته" مثالًا لأبناء الطبقة البرجوازية. فوالده الذي كان يعمل خيَّاطًا، ثم أصبح صاحب فندق، حرص على أن يعلِّم أبناءه تعليم راقي؛ وكان السبب وراء ذلك أنه كان يسعى لأن يجعل من أبناءه تجسيدًا لطموحاته العلمية والاجتماعية التي لم يستطع تحقيقها. ولهذا، حرص على تعليم أولاده منذ الصغر العلوم واللغات والرياضة من خلال دروس خاصة من قبل معلِّمين متميِّزين. ونال "جوته" دروسًا خاصة علَّمته العديد من اللغات (اللاتينية واليونانية والعبرية الإنجيلية والفرنسية والإيطالية والإنجليزية). وكذلك تلقَّى دروسًا في الرقص والمبارزة والفروسية، وكل هذه العلوم كانت رائجة بين أبناء الطبقات الرَّاقية والبرجوازية في عصره.

وبالرغم من أن "جوته" كان عاشق للرسم، لكنه نال شهادة جامعية في القانون، وتلك الشهادة مكَّنته من أن يعمل مستشارًا بالدولة، بالرغم من أن ميوله في ذاك الوقت اتجهت إزاء قراءة الأدب وكتابته. وكانت جولاته المتعددة التي زار فيها دول مختلفة في أوروبا سبيلًا لتنمية مداركه وقدراته العقلية، مما جعله يبرع في أي مهمة يضَّلع بها.

ومن الجدير بالذكر، أنه قد وقع في غرام خطيبة صاحبه، وبادلها مشاعر كادت تفضي به للجنون وبعدها وقع في براثن الاكتئاب والتعاسة. لكنه كي يشفى من ذلك الغرام المحموم، كتب روايته الشهيرة "مآسي الشاب فرتر" Die Leiden des Jungen Werther (1761) والتي كتبها في شهرين فقط، وفيها سرد بالتفصيل جميع دقائق علاقته الغرامية، لكنه ختم الرواية بأن جعل البطل يزهق روحه بالانتحار حتى يتخلَّص من الشعور الهائل بالذنب والاكتئاب.

وتعد تلك الرواية من أولى الروايات الأكثر مبيعًا في جميع أنحاء أوروبا، وليس في ألمانيا فقط. لكنها كانت أيضًا الأكثر إثارة للجدل؛ ففكرة الانتحار الطوعي تعد مخالفة تمامًا لشرائع الدين المسيحي الكاثوليكي. ولقد أثار ذلك غضب الكنيسة وجميع المتدينين منه لدرجة أنهم اتهموه بأنه صبأ عن الدين المسيحي. ولقد أُزْجيت نيران الثورة ضده عند العلماء، عندما أذيع الخبر أنه بدأ في الاهتمام بالدين الإسلامي وتناوله بالدراسة والتحليل، فنعته أحدهم بأنه "مسيحي تحوَّل إلى مسلم."

والمثير للإعجاب أنه لم يلق بالًا لأيٍّ من تلك الانتقادات وواصل الارتقاء بمستقبله؛ لإيمانه الشديد بما يقدمه من فكر متطوِّر. وكان ينعت من يوجِّه له نقدًا لاذعًا يثير الشكوك حوله بأنه "ناقد يُثير الرعاع"، ليوضح مدى احتقاره للقائل وكل من يستمع له. وكان يؤكِّد دومًا أن "الحياة مؤئلًا للأحياء، وكل من كان على قيد الحياة يجب أن يكون مستعدًّا للتغيير". وبهذا، يعطي دروسًا في فن الارتقاء بالعقل وكشف النقاب عن الأغبياء.

وفي خضم هذا التغيير، وبعد حصوله على درجة الدكتوراه في القانون، تم تعيينه في منصب رئيسًا للوزاراء افتراضيًا وممثلًا للدوقية وذلك خلفًا لرئيس الوزاراء الذي ترك منصبه فجأة. ولمدة عامين ونصف اضلع بمهامه في شئون الدولة على خير وجه، لكنه لم ينسَ عشقه للأدب الذي جعله لا يقدِّم فقط أعماله على المسرح، بل يُنشئ مسرحًا لكل الفنانين. وكان كذلك يناصر الكتاب والفنَّانين؛ فلقد كان على دراية بمشكلاتهم ورغباتهم، ولم يكتفِ بمعرفة المشكلات فقط كأقرانه. فلقد كان يعمل حسبما كان يؤمن، ولهذا كان يردد: "العلم بالشيء لا يعد كافيًا حيث يجب على المرء تطبيق ما يعلمه. والرغبة في تحقيق أمر ما لايكفي، حيث يجب البدء بالتنفيذ."

ومن أعماله الفنية الرائعة مسرحيته الشعرية "دكتور فاوست" ( 1876) التي يضعها الغرب على نفس درجة الروعة والإتقان التي قدَّم بها دانتي "الكوميديا الإلهية"، والتي تختلف عن رائعة الكاتب الإنجليزي "كريستوفر مارلو" Christopher Marlowe بأنها كانت أكثر تسامحًا مع رغبات "فاوست". فلقد وصف صفقته مغ الشيطان بأنها وسيلة للحصول على المعرفة، ولم يدين "فاوست" مثل سابقيه، مما مهَّد الطريق لاستيعاب الثورة الصناعية وما صاحبها من تطوُّر.

ولقد قدَّم أيضًا "جوته" للعلوم نظرية لا تزال جديرة بالاعتبار العلمي، وهي نظرية لون النبات، مما يكلل جهوده الحثيثة للخوض في جميع فروع العلوم والآداب والفلسفة. لقد عاش "جوته" حياة طويلة تضاهي تلك التي صاغها في مسرحيته الشعرية "فاوست"؛ فهو شخصية جديرة بالاحترام والتقدير وكذلك مثيرة للجدل.

وفيما يبدو أنه لم يكن يوجد آنذاك نفرًا مستعدًّا لاستقبال وفهم أفكار "جوته" التقدُّمية السابقة لعصرها، مما جعل المفكِّرين والأدباء ينحسرون من حوله في نهاية حياته. فهل كان غباءًا من "جوته" أنه أفصح عن جميع أفكاره التقدُّمية دفعة واحدة، أم أن ذكاءه الحاد جعله يغامر بكل شيء لتحديث مجتمعه؟ في كلا الحالتين، تغلَّب عقل "جوته" على قراراته، وما اعتبره معاصريه حمقًا صنع منه شخصية خالدة تحترمها كل العصور.

وعلى هذا، يجب إضافة معيارًا آخر لتعريف الغباء، ألا وهو قياس مقدار النفع من أعمال قد تبدو هوجاء حينما تفعلها، لكن بمرور الزمن يثبت العكس. بيد أنَّ الغباء، كل الغباء، هو اتخاذ قرارات تبدو مثالية في لحظة التفوُّه بها، لكن الزمن يثبت مدى غبائها وحمق كل من آمن بها، ويعج التاريخ القديم والمعاصر بأمثلة لا حصر لها على ذلك. 

 

* أستاذ مساعد

أستاذ الادب والترجمة
قسم اللغة الانجليزية – كلية العلوم والآداب
جامعة القصيم
المملكة العربية السعودية
 
 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment