فشل السياسات الاقتصادية الفرنسية الحالية

03/24/2019 - 18:02 PM

Beirut Times

 

فؤاد الصبا*غ

مازالت تشهد فرنسا حراكا متزايدا ومتصاعدا تحت ما يسمي باحتجاجات أصحاب السترات الصفراء التي خرجت لتجتاح الشوارع الباريسية منذ قرابة ما يزيد عن خمسة أشهر وذلك بالتحديد في كل يوم سبت من كل أسبوع.

الجحافل الشعبية

هذه الجحافل الشعبية التي خرجت صارخة وغاضبة في شوارع العاصمة الفرنسية وبعض المدن الأخرى تتلخص مطالبها بالأساس في تخفيض الضرائب وتحسين ظروف العيش والرفع في الأجور مع تسوية وضعية العمال والطبقات الفقيرة. بالتالي هذه الثورة الفرنسية الحقيقية على شتى المستويات تشير في الأفق إلى نذير خطر تمرد شعبي وعصيان مدني في الأيام القليلة المقبلة، إذا تواصلت تلك الموجات الاحتجاجية الصفراء أو إذا إنتقلت عدواها إلى الدول الأوروبية المجاورة.
إن غياب العدالة الاجتماعية في معظم الدول الأوروبية مع إنتهاج السياسات الاقتصادية الرأسمالية المتوحشة والسيئة عبر دعم نظام السوق الحرة ودعم رجال المال والأعمال، وأيضا من خلال عبء الضرائب المتزايدة على المحروقات والدخل ورواتب التقاعد وغيرها من الضرائب الجبائية المجحفة والتي تعد في مجملها بوادر لكارثة إجتماعية حقيقية ستؤدي بالنتيجة إلى أزمة اجتماعية أوروبية شاملة. إذ على الرغم من خروج الرئيس الفرنسي إيمانيويل ماكرون على وسائل الإعلام الفرنسية في العديد من المرات وذلك عبر خطاباته المتتالية للشعب الفرنسي من أجل إحتواء تلك الأزمة الاجتماعية وتطويق تلك الاحتجاجات المقبلة لأصحاب السترات الصفراء من خلال طرحه لبعض الحلول المسكنة قصد تلبية الحاجيات الأساسية منها الرفع في الأجر الأدنى بـ 100 يورو وإلغاء الضرائب على المحروقات وتقليص الضرائب على رواتب المتقاعدين، إلا أنه في المقابل لم يتوقف الحراك الشعبي بل زادت حدته وتحول إلى أعمال تخريب وحرق وصدام مباشر مع الشرطة رافعا شعارات مطالبة الرئيس بالإستقالة أو بالأحرى إستقالة النظام الرأسمالي.

المطالب الجوهرية

أما في المقابل فالمطالب الأساسية والجوهرية للمحتجين الثائرين والمتضررين منذ أواخر سنة 2018 تحولت مؤخرا إلى مطالب تدعو لتغيير النظام الرأسمالي الليبرالي الموالي لرجال الأعمال وأسواق رؤوس الأموال إلى نظام اقتصادي مركزي إشتراكي أو شيوعي. فمطالب أصحاب السترات الصفراء أصبحت تختزل في المطالبة بتطبيق العدالة الإجتماعية والتوزيع العادل للثروة الوطنية على كافة أفراد المجتمع الفرنسي والخروج من دائرة تلك الدويلة الصغيرة التي يديرها أصحاب المال والمستثمرين تحت مظلة القطاع الخاص.
إذ بعد الفشل الذريع للسياسات الإقتصادية الفرنسية على مدى السنوات الماضية إنطلاقا من فترة حكم حزب الإتحاد من أجل حركة شعبية سابقا تحت زعامة الرئيس نيكولا ساركوزي إلى فترة حكومة الليبرالي والمدير المالي بشركة سابقا الرئيس ماكرون تحولت الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية للطبقات المتوسطة والفقيرة في مجملها من السيئ إلى الأسوأ.

خسائر مالية كبيرة

إن دعم تحرير الأسواق بالكامل وتعزيز مناخ الإستثمار والمنافسة مع زيادة الضرائب على الدخل والتقاعد وتقليص الدعم على المواد الأساسية مع زيادة أسعار المحروقات دون مراعاة أبسط الحقوق لطبقات العمال الكادحة تعتبر هي السبب الرئيسي لإندلاع تلك الشعلة الأولي التي أدت بالنتيجة إلى ثوران ذلك البركان الشعبي الهائج والغاضب. فالإختلال بين العرض والطلب في الأسواق مع زيادة الأسعار ساهمت بدورها في إرتفاع نسبة التضخم والبطالة مع تراجع نسبة النمو الاقتصادي.
هذه الإحتجاجات الشعبية المتواصلة أدت بالنتيجة إلى خسائر مالية كبرى مع إرباك سياسات الحكومة الاستراتيجية والإستشرافية مع كبح مخططات التنمية الاقتصادية في ظل تزايد المديونية والعجز في الميزانية والفوضي في الشوارع الباريسية. أما عدم التوازن بين القدرة الشرائية والمداخيل الشهرية للطبقات الشعبية محدودة الدخل والذي يبلغ أجرهم الأدني شهريا ب 1.200 يورو أصبحت لا تغني ولا تسمن من جوع نظرا لغلاء المعيشة وزيادة المصاريف بحيث أصبحت هذه المداخيل تغـطي فـقط أسـبوعين من المعـيشة اليـومية.

دور القطاع العام

بالتالي هذا التمرد الشعبي الفرنسي لن ينتهي وهو سيبقي كالبركان الثائر المدمر لجميع المكاسب الوطنية الاقتصادية، إن لم تستجب الحكومة الحالية لمطالب المحتجين وتتجه السياسة الإقتصادية الإصلاحية نحو تعزيز مكانة دور الدولة في التدخل المباشر في الأسواق وإعادة الدعم للمواد الأساسية مع حذف بعض الضرائب الجبائية خاصة منها علي المداخيل الشهرية ومراجعة الزيادة في الأجور المرحلية.
إحكام إدارة الاقتصاد الوطني الفرنسي الجيد مع إعطاء القطاع العام مكانته عبر التعديلات من طرف اليد الخفية للأسواق المحلية قصد تلبية الحاجيات الأساسية منها الصحة المجانية والتعليم المجاني والإنتدابات القارة في الوظيفة العمومية وتسوية الوضعية التشغيلية المؤقتة والزيادة في الأجور وتحقيق التوازن بين القدرة الشرائية والأجور تعتبر هي الأساس من أجل عودة الثقة لدى المواطنين والهدوء في الشوارع الباريسية.
عموما تعتبر السياسات الاقتصادية الفرنسية الحالية للرئيس إيمانويل ماكرون غير ناجحة وناجعة على مدى فترة حكمه نظرا لإنحيازها الكلي والدائم للطبقات الغنية وتجاهلها لمطالب الطبقات الفقيرة. كذلك سياسة دعم القطاع الخاص والتحرر المالي والتجاري الكلي ساهمت بدورها أيضا في تأزم الأوضاع المعيشية وخلقت الفوارق الإجتماعية بين الطبقات الشعبية.
إن هذا الزحف الشعبي الأصفر لن يقتصر فقط على فرنسا بل ربما سيشمل في القريب العاجل دول أوروبية أخرى مثل بلجيكا وبريطانيا وألمانيا نظرا لتدهور المقدرة الشرائية لأغلب الطبقات العمالية الأوروبية الفقيرة. فهذه البوادر التبشيرية تشير إلى إنفجار بركان شعبي أوروبي نتيجة لتدهور الأوضاع الإجتماعية والمعيشية في ظل السياسات الاقتصادية للنظام الرأسمالي التعيس والفاشل مع الغياب الكلي لتحقيق العدالة الإجتماعية والرفاهية المعيشية.

*باحث اقتصادي دولي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment