السعودية بين التغير الاقتصادي والجيوسياسي والصراع الإيراني الإسرائيلي.. هل تقود الرياض مرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي

07/04/2026 - 09:16 AM

A

 

 

 

 

بقلم: د. محمد نصار

يشهد الشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة من إعادة تشكيل موازين القوى، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية، وتتراجع فيها مفاهيم التحالفات التقليدية لصالح سياسات أكثر مرونة وبراغماتية ، وفي قلب هذه التحولات تقف المملكة العربية السعودية، التي انتقلت خلال السنوات الأخيرة من التركيز على إدارة الأزمات إلى محاولة صناعة بيئة إقليمية أكثر استقرارا، انطلاقا من مشروعها الاقتصادي الطموح ورؤيتها المستقبلية.

فلم تعد السعودية تنظر إلى المنطقة من زاوية الصراعات العسكرية وحدها، بل من منظور التنمية وجذب الاستثمارات وبناء اقتصاد متنوع قادر على المنافسة عالميا ، ومن هنا أصبحت الدبلوماسية جزءا أساسيا من مشروعها الاقتصادي، لأن نجاح خططها الكبرى يرتبط ارتباطا وثيقًا باستقرار الشرق الأوسط.

لقد فرضت رؤية المملكة 2030 واقعا جديدا، يقوم على تنويع مصادر الدخل، وتطوير قطاعات السياحة والتكنولوجيا والصناعة والطاقة النظيفة، وتحويل المملكة إلى مركز عالمي للاستثمار والخدمات اللوجستية ، وهذه الأهداف لا يمكن أن تتحقق في بيئة إقليمية تعيش على وقع الحروب والتوترات المستمرة.

وفي المقابل، جاء التصعيد بين إيران وإسرائيل ليكشف هشاشة الأمن الإقليمي، ويؤكد أن أي مواجهة واسعة ستكون لها تداعيات تتجاوز حدود أطراف الصراع، لتطال الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وحركة الملاحة الدولية ، وفي ظل هذه الظروف، برزت السعودية باعتبارها من أكثر الدول حرصا على احتواء التصعيد والدفع نحو الحلول السياسية، انطلاقا من إدراكها أن استمرار المواجهة لا يخدم مصالح شعوب المنطقة.

وتتميز السياسة السعودية اليوم بقدرتها على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية ، فهي ترتبط بشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته عززت تعاونها مع الصين وروسيا، كما أعادت فتح قنوات الحوار مع إيران، وواصلت دعمها للتنسيق العربي والإسلامي ،  هذا التنوع في العلاقات منح الرياض مساحة أوسع للتحرك السياسي والقيام بأدوار الوساطة.

ولا يمكن إغفال أن الاتفاق السعودي الإيراني أعاد رسم جزء من المشهد الإقليمي، إذ أثبت أن الحوار قادر على تخفيف التوتر حتى بين الخصوم، وهو ما انعكس على عدد من الملفات الإقليمية، رغم استمرار الخلافات حول قضايا أخرى.

وفي ظل الصراع الإيراني الإسرائيلي، تمتلك المملكة عدة أدوات يمكن أن تسهم في تهدئة الأوضاع، من بينها ثقلها السياسي، وقوتها الاقتصادية، ومكانتها في العالمين العربي والإسلامي، إضافة إلى قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف دون الانخراط المباشر في الصراع.

ومع ذلك، فإن قدرة السعودية على إعادة الهدوء إلى المنطقة لا تعني أنها تستطيع وحدها إنهاء الصراعات الممتدة، فتعقيدات الشرق الأوسط تتجاوز إمكانات أي دولة منفردة ،  إلا أن المملكة أصبحت أحد أهم الفاعلين القادرين على تقريب وجهات النظر، ودعم المبادرات السياسية، والمساهمة في بناء تفاهمات إقليمية تخفف من احتمالات المواجهة.

إن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بميزان القوة العسكرية، بل بقدرة دوله على بناء شراكات اقتصادية ومشروعات تنموية مشتركة، وهو ما تدركه السعودية جيدًا ، لذلك تسعى إلى ترسيخ مفهوم جديد للأمن الإقليمي، يقوم على التنمية والاستثمار والتعاون، باعتبارها الضمان الحقيقي للاستقرار.

وفي النهاية، تبدو المملكة العربية السعودية أمام فرصة تاريخية لترسيخ مكانتها كقوة اقتصادية ودبلوماسية مؤثرة، تجمع بين المصالح الوطنية والمسؤولية الإقليمية ، وإذا نجحت في مواصلة هذا النهج، فقد تكون أحد أبرز صناع مرحلة جديدة يسودها الحوار بدلًا من المواجهة، والتعاون بدلًا من الصراع، بما يخدم أمن المنطقة وازدهار شعوبها.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment