رشيد ج. مينا
في الكتب السماوية، وفي وصايا الحكماء، وفي تجارب الشعوب الناهضة،
تتكرّر الدعوة: تشاركوا… تعاونوا… تكاملوا.
ليس فقط لأنها فضيلة، بل لأنها ضرورة.
لا نهوض لأمة ولا لمجتمع ولا حتى لعائلة… إلا بروح جماعية.
لكن ماذا عن واقعنا؟
كم من شراكة بدأت بطموح مشترك وانتهت بخلاف شخصي؟
كم من جمعية تأسّست على نية الخير ثم انفجرت من الداخل؟
كم من مشروع اقتصادي، أو ثقافي، أو سياسي…
تحوّل إلى ركام بسبب الخلاف، الغدر، أو تضخم الأنا؟
ما السبب؟ لماذا نفشل، رغم أن العقل والمنطق والدين يحثّون على الشراكة؟
أولًا: الجذور النفسية والتربوية
نُربّى على فكرة "النجاح الفردي"، لا على "الإنجاز المشترك".
نُكافأ حين نُطيع، لا حين نُبادر ونناقش.
لا نتعلّم كيف نختلف، ولا كيف نتحاور، ولا كيف نثق بالآخر.
ويكبر الإنسان على قلق دائم: هل سيسرقني شريكي؟ هل سيخذلني؟ هل يريد أن يعلو عليّ؟
ثانيًا: خلل في المنظومة القيمية
حين تضعف الثقة… يسود الشك.
وحين تبهت الأخلاق… تظهر الأنانية.
وحين نُربّي أبناءنا على التفوق لا التعاون، نخلق جيلاً يرى في الآخر "منافسًا" لا شريكًا.
هكذا… تسقط الشراكة، ليس لأنها فكرة خاطئة، بل لأن النفوس التي تحملها غير مستعدة لها.
ثالثًا: لا ديمقراطية في حياتنا اليومية
هل تعلّمنا في بيوتنا أن نشارك القرار؟
هل تقبل المدرسة برأي الطالب؟
هل تقبل الجمعية برأي الأقلية؟
هل يملك أحد أن يقول "لا" دون أن يُقصى أو يُتهم؟
نُردّد كلمات مثل:
فريق، جمعية، لجنة…
لكنها غالبًا ما تُدار بعقلية الفرد القائد، لا بروح الشراكة الحقيقية.
رابعًا: لا توجد ضوابط ناظمة
شراكات بلا اتفاقات مكتوبة.
جمعيات بلا أنظمة واضحة.
تحالفات بلا ميثاق أخلاقي.
وحين تختلف المصالح، تنهار العلاقات.
ويبدأ التراشق… أحيانًا في المحاكم، وأحيانًا في وسائل التواصل، وأحيانًا في القلوب.
ثمّة خسارة جماعية لا نراها…
نخسر الوقت، والجهد، والفرص.
نخسر ثقة الناس بأي عمل جماعي جديد.
ونقتل في الأجيال فكرة "العمل المشترك"، فنُكرّس الانعزال والفردانية والعدمية.
ولكن… هل يمكن أن ننجح معًا؟
نعم، إذا:
ربّينا أبناءنا على روح الفريق، لا على وهم البطولة الفردية.
بنينا شراكات على أسس واضحة: الثقة، الشفافية، تقاسم القرار.
أعدنا الاعتبار لقيم التعاون، والنزاهة، والتواضع.
سلّطنا الضوء على النماذج الناجحة، لا فقط على الفاشلة.
* الشراكة ليست ضعفًا… بل قوّة متعدّدة الرؤوس.
* والمجتمع الناجح ليس ذاك الذي يضم عباقرة منفردين، بل ذاك الذي يعرف كيف يوظّف العبقرية ضمن فريق.
* ختامًا:
هل آن الأوان لنستعيد الثقة ببعضنا؟
هل يمكن أن نخلع ثوب الشك، ونرتدي عباءة التعاون؟
هل نتعلّم من فشلنا… لنجرّب من جديد، لكن بشكل أفضل؟
ربما نعم… وربما هذا هو الطريق الوحيد للخروج من أزماتنا،
لا بـ"الزعيم الملهم"، بل بـ"الفريق الصادق".











04/05/2026 - 17:11 PM





Comments