لم تعد حرب إيران مجرّد مواجهة عسكرية. ما يتشكّل اليوم هو فخّ استنزاف طويل لواشنطن، تُمسك موسكو وبكين بخيوطه، وتُدفع واشنطن إلى قلبه خطوة بعد خطوة. فبين صواريخ تُستهلك بسرعة، وحلفاء لطهران يطيلون عمر المعركة من بعيد، تبدو الولايات المتحدة أمام حرب لا تُحسم بالقوة، بل بالوقت — والوقت هذه المرّة ليس في صالحها.
بقلم: شربل عبد الله أنطون
بعد قرابة الشهر على الحملة الجوية والصاروخية الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، بدأت حدود القوة الأميركية تظهر بوضوح. آلاف الصواريخ الاعتراضية والذخائر المتفوقة وصواريخ الكروز أُطلقت، والمخزون يتعرّض لضغط متزايد. وبينما تبحث الإدارة الأميركية عن "لحظة نصر" حاسمة، تبدو الوقائع الميدانية أكثر تعقيداً: تستطيع واشنطن إضعاف قدرات إيران، لكن القوة الجوية وحدها لا تستطيع فرض نهاية واضحة للحرب.
من هنا يبرز السؤال الأكثر إزعاجاً: هل تستطيع روسيا والصين إطالة أمد هذا الصراع وتحويله إلى حرب استنزاف طويلة لا تستطيع واشنطن الفوز بها وفق شروطها؟ لا موسكو ولا بكين قادرتان على إنقاذ النظام الإيراني بالكامل، لكنهما قادرتان على جعل الحرب أطول، أكثر كلفةً، وأكثر إنهاكاً استراتيجياً للولايات المتحدة.
روسيا أصبحت، بهدوء، الشريك الخارجي الأكثر تأثيراً على قدرات إيران. حيث تشير تقارير إلى أنّ موسكو تزوّد طهران بصور أقمار اصطناعية مباشرة لمواقع أميركية وإسرائيلية — وهو دعم بسيط في الشكل، لكنه بالغ الأثر في تحسين دقّة الاستهداف وتقييم نتائج الضربات. كما ساعدت روسيا في تطوير طائرات "شاهد" الإيرانية المُسيّرة عبر تحسين أنظمة الملاحة والاتصالات فيها. ليست هذه مساهماتٍ برّاقة، لكنها فعّالة؛ فهي تُرغم الولايات المتحدة على استنزاف صواريخ اعتراضية تُقدّر قيمتها بملايين الدولارات في مواجهة تهديداتٍ رخيصةٍ.
هذا لا يغيّر ميزان القوى، لكنه يغيّر وتيرة الحرب. فمن خلال تعزيز الوعي الميداني الإيراني وإطالة عمر ترسانة طهران غير المتكافئة، تساعد موسكو إيران على الاستمرار بفرض كلفة تشغيلية عالية على القوات الأميركية — وكل ذلك دون تعريض أيٍّ من أصولها عالية القيمة للخطر.
ومع ذلك، فإنّ هناك قيوداً حقيقية على موسكو. فالحرب في أوكرانيا تحدّ من قدرتها على تزويد إيران بالسلاح. لكن روسيا لا تحتاج إلى إرسال دبابات أو صواريخ لتغيير مسار الصراع. يكفيها الاستمرار بالتدفق المطرد للمعلومات الاستخباراتية والدعم التقني لإرباك العمليات الأميركية وإبقاء إيران في المعركة.
أما الصين، فدعمها مختلف — أكثر هدوءاً، لكنه لا يقل أهمية. فبكين تشتري الغالبية الساحقة من النفط الإيراني، ما يوفّر لطهران الإيرادات الضرورية للاستمرار رغم الضربات التي طالت بنيتها التحتية. كما توفّر الصين إشارات الملاحة عبر الجيل الثالث من نظام "بيدو" المتطور جداً، ما يحسّن دقّة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
لكن الصين حذرة. فهي تريد استقراراً في أسواق الطاقة العالمية، لا انفجاراً إقليمياً يرفع أسعار النفط إلى مستويات جنونية. فبكين ستواصل شراء النفط الإيراني وتقديم دعم ملاحي، لكنها لن تتخذ خطوات قد تجرّها إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن. فأولويتها حماية مصالحها الاقتصادية، لا إنقاذ إيران من تبعات الحرب.
يخلق هذا مفارقةً غريبة: فبينما تُعد الصين ضروريةً لبقاء إيران مالياً، إلا أنها شديدةُ الهشاشة أمام حالةٍ من عدم الاستقرار المُطوَّل في منطقة الخليج؛ فبكين تساعد إيران على الصمود، غير أنها تدفع في الوقت ذاته — وبصمتٍ — نحو خفض التصعيد.
التحدّي الأكبر أمام واشنطن ليس قدرات إيران، بل كلفة استمرار الحملة العسكرية.
تشير تقديرات متداولة إلى أنّ الولايات المتحدة استهلكت حتى الآن نحو: 319 صاروخ توماهوك ، أي حوالي 10% من مخزونها. ونحو 25% من صواريخ ثاد المخصّصة للدفاع عن إسرائيل، إضافة إلى كميات كبيرة من صواريخ باتريوت وغيرها.
فإنتاج توماهوك لا يتجاوز 500 صاروخ سنوياً. وصواريخ ثاد وباتريوت باهظة الثمن وبطيئة الاستبدال. وكل مُسيّرة أو صاروخ إيراني يُطلق يجبر واشنطن على خيار مؤلم: إما استخدام ذخائر عالية القيمة، أو قبول أخطار أكبر على أصولها في المنطقة.
وهنا يكتسب الدعم الروسي والصيني أهمية استراتيجية؛ فمن خلال مساعدة إيران على شن هجمات متفرقة ومنخفضة الكلفة، يفرضون على الولايات المتحدة معادلة تبادل كلفة كارثية: إذ تطلق إيران مسيّرة بـ20 ألف دولار؛ والولايات المتحدة تردّ بصاروخ اعتراضي بـ2 مليون دولار. وبمرور الوقت، تصبح هذه المعادلة غير قابلة للاستمرار — لا سيما في ظل سعي واشنطن لدعم أوكرانيا والحفاظ على جاهزيتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
إيران تكبّدت خسائر كبيرة — مصانع صواريخ، أصول بحرية، مراكز قيادة — لكنها ما زالت قادرة على خوض حرب غير متكافئة. فالمسيّرات، والألغام البحرية، والزوارق السريعة، كلها تحتاج إلى بنية تحتية محدودة، ويمكن إعادة إنتاجها بدعم خارجي. روسيا والصين لا تحتاجان إلى إعادة بناء الجيش الإيراني، بل فقط إلى إبقائه قادراً على منع واشنطن من تحقيق نصر نظيف.
وهنا جوهر المشكلة. تستطيع الولايات المتحدة مواصلة ضرب الأهداف الإيرانية، وإضعاف القدرات، والحفاظ على التفوّق الجوي. لكن كل ذلك لا يقدّم نهاية واضحة للحرب. إيران قادرة على امتصاص الضربات والتكيّف، وعلى الاستمرار في فرض الكلفة.
لا يشبه هذا الصراع طويل الأمد ما جرى في العراق أو أفغانستان؛ بل سيتخذ هيئة مواجهة بطيئة ومضنية، تتسم بإطلاق إيراني متقطع للطائرات المسيّرة والصواريخ، وبضربات أميركية وإسرائيلية متواصلة. كما سيستمر هذا الصراع لفترة طويلة، مصحوباً بارتفاع أسعار النفط العالمية وضغوطٍ على المخزون الأميركية من الذخائر، وذلك في الوقت الذي تحظى فيه إيران بدعم استخباراتي روسي وشرايين حياة اقتصادية صينية.
النتيجة التي تسعى إليها طهران هي صمود النظام حتى ولو أصبح مُنهكاًً. هذه ليست حرباً تخسرها الولايات المتحدة عسكرياً، بل هي حربٌ تُخاطر بخسارتها استراتيجياً إذا انجرت إلى صراع يستنزف مواردها، ويشتّت تركيزها، ولا يقدّم لها مخرجاً واضحاً.
روسيا والصين لا تستطيعان إنقاذ إيران. ولا يمكنهما تعويض القوة الجوية الأميركية أو إعادة بناء البنية التحتية المدمّرة. لكنهما لا تحتاجان إلى ذلك. هدفهما ليس أن تنتصر إيران — بل ألا تنتصر الولايات المتحدة بسرعة.
من خلال توفير المعلومات الاستخباراتية، وتقنيات الملاحة، والدعم الاقتصادي، تستطيع موسكو وبكين إطالة أمد الصراع وتحويله إلى حرب طويلة تستنزف الذخائر الأميركية، وتربك التزامات واشنطن العالمية، وتحرمها من تحقيق النتيجة الحاسمة التي تريدها. وعلى الولايات المتحدة أن تتفادى هذا الفخ — وإلا وجدت نفسها في حرب صُمّمت أساساً لاستنزافها.











04/05/2026 - 13:48 PM





Comments