ليلى ابو حيدر
لبنان اليوم يقف عند لحظة فارقة في تاريخه، لحظة تبدو فيها البلاد وكأنها معلّقة بين زمنين: زمن يوشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، وزمن آخر لم يولد بعد. بلدٌ أنهكته الأزمات المتتالية، وتناوبت عليه الخيبات، وتراكمت فوق صدره طبقات من الألم والخذلان، لكنه رغم كل ذلك ما زال يحتفظ بشيء عصيّ على الموت: إرادة الحياة. هذا الوطن الصغير الذي لطالما كان أكبر من مساحته، وأكبر من أزماته، يقف اليوم على مفترق طرق حقيقي، مفترق لا يحدده السياسيون وحدهم، بل يحدده المجتمع الذي يرفض أن يستسلم، ويصرّ على أن يكون له مكان في المستقبل مهما بدا هذا المستقبل ضبابيًا أو بعيدًا.
لبنان ليس مجرد جغرافيا تتنازعها القوى، ولا مجرد نظام سياسي متآكل، ولا مجرد أزمة اقتصادية خانقة. لبنان، قبل كل شيء، هو شعب. شعبٌ يرفض أن يسلّم بأن ما يعيشه هو قدر نهائي، ويصرّ على أن يكتب فصله المقبل بنفسه. فمنذ نهاية الحرب الأهلية، بُني النظام اللبناني على معادلة ظاهرها حماية التنوّع، وباطنها حماية الزعامات. تقاسم السلطة الذي كان يُفترض أن يكون ضمانة للاستقرار تحوّل تدريجيًا إلى شبكة مصالح متشابكة تُبقي الدولة ضعيفة وتُبقي المجتمع رهينة. المؤسسات الرسمية تآكلت، الثقة بين المواطن والدولة انهارت، المحاسبة غابت، والحوكمة تحوّلت إلى إدارة يومية للأزمات بدل بناء سياسات عامة. ومع ذلك، لم يسقط البلد. لماذا؟ لأن المجتمع اللبناني " بكل تناقضاته " ما زال يمتلك قدرة مذهلة على التعويض. العائلات، البلديات، الجمعيات، المبادرات الفردية، والاغتراب… كلها تشكّل شبكة أمان غير مرئية لكنها فعّالة. لبنان لا يعيش بفضل مؤسساته، بل رغم مؤسساته. ولا يصمد لأن نظامه قوي، بل لأن شعبه أقوى من الانهيار. هذه الحقيقة يجب أن تُقال بوضوح: الدولة اللبنانية اليوم هيكل فارغ، لكن المجتمع ما زال واقفًا.
ولا يمكن فهم الأزمة اللبنانية بمعزل عن محيطه. فلبنان، بحكم موقعه وتكوينه، كان دائمًا مرآة لصراعات المنطقة. اليوم، تتقاطع على أرضه أربعة مسارات إقليمية كبرى: النفوذ الإيراني الذي يترجم حضورًا سياسيًا وعسكريًا عبر قوى محلية؛ تراجع الدور الخليجي الذي كان تاريخيًا داعمًا للاستقرار الاقتصادي؛ هشاشة الوضع السوري التي تجعل الحدود مفتوحة على كل الاحتمالات؛ وتبدّل أولويات الغرب الذي لم يعد يرى في لبنان ملفًا ملحًا كما في السابق. هذه التشابكات جعلت القرار اللبناني مُجزّأ، والسيادة مُعلّقة، والإصلاح مؤجّلًا إلى أجل غير مسمّى. فالطبقة السياسية تجد دائمًا في الخارج ذريعة لعدم التغيير، وتجد في الانقسام الداخلي وسيلة للبقاء. لكن الحقيقة الأعمق هي أن لبنان لن يستعيد سيادته ما لم يستعد أولًا قدرته على إنتاج قرار وطني مستقل، وهذا لن يحدث إلا عبر دولة قوية، لا عبر توازنات هشّة.
منذ عام 2019، يعيش لبنان انهيارًا اقتصاديًا يُعدّ من الأسوأ عالميًا. عملة فقدت أكثر من 95% من قيمتها، مصارف حجبت أموال الناس، فقر يزداد يومًا بعد يوم، وهجرة تُفرغ البلد من شبابه وكفاءاته. لكن ما يجعل هذا الانهيار أكثر قسوة هو أنه لم ينتج عن حرب أو زلزال أو كارثة طبيعية، بل عن منظومة سياسية‑مالية تعاملت مع الاقتصاد كأنه ملكية خاصة. التحالف بين السلطة والمصارف والمصرف المركزي أنتج نموذجًا اقتصاديًا هشًا قائمًا على الاستدانة والزبائنية، لا على الإنتاج. وحين انهار النموذج، انهارت معه حياة الناس. وحتى اليوم، لا توجد خارطة طريق واضحة للتعافي. الإصلاحات المطلوبة دوليًا لم تُنفّذ، المحاسبة غائبة، والخسائر تُحمَّل للناس بدل تحميلها لمن تسبب بها. اللبنانيون يعيشون اليوم نتائج جريمة اقتصادية مكتملة الأركان… بلا متهمين، بلا محاسبة، وبلا اعتراف.
في تشرين الأول 2019، حدث ما لم يكن متوقعًا: خرج اللبنانيون إلى الشارع كأمة واحدة، لا كطوائف. رفعوا صوتهم ضد الفساد، ضد الإذلال، ضد غياب الدولة. طالبوا بالكرامة قبل أي شيء آخر. كانت تلك اللحظة استثنائية لأنها كسرت حاجز الخوف، وأسقطت فكرة أن اللبنانيين غير قادرين على التفكير خارج الطائفة. لكن الانتفاضة لم تكتمل. قُمعت، شُوّهت، اختُرقت، وتراجعت. ومع ذلك، فإن روحها لم تمت. هي حاضرة في كل نقاش عن الشفافية، في كل رفض للتطبيع مع الفساد، في كل مبادرة فردية تُصرّ على أن لبنان يستحق أفضل. الانتفاضة لم تكن حدثًا عابرًا، بل كانت إعلانًا عن ولادة وعي جديد. وعي يقول: لبنان ليس ملكًا للزعماء، بل لأبنائه.
لبنان لا يحتاج إلى معجزة. المعجزات لا تبني دولًا. ما يحتاجه لبنان هو حوكمة. حوكمة بمعناها البسيط: مؤسسات تعمل، قضاء مستقل، نظام مالي شفاف، سياسات عامة تُبنى على البيانات لا على الولاءات، وثقافة سياسية تضع الكفاءة فوق الزبائنية. لكن كل ذلك لن يتحقق ما لم يُعاد بناء العقد الاجتماعي. العقد الذي يحدد العلاقة بين المواطن والدولة، بين الحقوق والواجبات، بين الهوية الوطنية والانتماءات الفرعية. لبنان يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يضع المواطنة فوق الطائفة، ويعيد تعريف الدولة كمساحة مشتركة، لا كغنيمة موزعة.
من السهل القول إن لبنان دولة فاشلة. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. لبنان ليس دولة فاشلة، بل دولة خُذلت. خُذلت من قادتها، خُذلت من نظامها السياسي، خُذلت من اقتصاد بُني على الوهم، وخُذلت من عالم لم يعد يرى فيها أولوية. لكن الخذلان ليس قدرًا. والدول لا تُقاس فقط بما تخسره، بل بما تبقى فيها من قدرة على النهوض. واللبنانيون، رغم كل شيء، ما زالوا يمتلكون هذه القدرة. قدرة على الصمود، على الابتكار، على إعادة البناء، على تحويل الألم إلى طاقة. هذه ليست رومانسية، بل حقيقة أثبتها التاريخ اللبناني مرارًا.
ما يحتاجه لبنان اليوم ليس إصلاحات تجميلية، ولا حلولًا مؤقتة، ولا تسويات تُبقي القديم على قدمه. ما يحتاجه هو بداية جديدة. بداية تقوم على عدالة حقيقية لا تُساوي بين الضحية والجلاد، محاسبة شفافة تعيد الثقة بين الناس والدولة، اقتصاد منتج لا يقوم على الريع، سيادة كاملة لا تُجزّأ بين الداخل والخارج، وثقافة سياسية جديدة تُعيد تعريف القيادة كخدمة عامة لا كامتياز شخصي. هذه البداية ليست حلمًا، بل ضرورة، وهي ممكنة إذا توفرت الإرادة.
لبنان اليوم عند مفترق طرق. يمكنه أن يستمر في الدوران داخل أزماته، ويمكنه أن يختار طريقًا جديدًا. طريقًا صعبًا، لكنه الطريق الوحيد نحو دولة تستحق شعبها. لبنان ليس بلدًا عاديًا، هو بلد استثنائي بشعبه، بتاريخه، بقدرته على تحويل الرماد إلى حياة. وإذا كان الماضي قد خانه، فإن المستقبل ما زال مفتوحًا أمامه. لبنان ينتظر بدايته الجديدة، والسؤال لم يعد: هل يستطيع؟ بل: متى يقرر أن يبدأ.












02/13/2026 - 19:23 PM





Comments