تحقيق موسّع - واشنطن - جورج ديب
في ظهيرة باردة من شتاء واشنطن، توقّفت سيارة سوداء أمام المبنى التاريخي لوزارة الخارجية الأميركية. نزل منها قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل بخطوات ثابتة، محاطًا بفريق صغير من الضباط والمستشارين. لم تكن الزيارة عادية، ولا اللقاء عابرًا. فالرجل الذي يقود المؤسسة العسكرية الوحيدة المتماسكة في لبنان، يدخل اليوم إلى واحد من أكثر المكاتب تأثيرًا في السياسة الخارجية الأميركية: مكتب مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
كان المشهد بحدّ ذاته رسالة. فلقاء قائد الجيش بمستشار الرئيس مباشرة، وليس فقط بمسؤولي البنتاغون، يعكس انتقال الملف اللبناني إلى مستوى سياسي أعلى، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية مع الحسابات الانتخابية، والملفات الإقليمية مع التوازنات الداخلية في لبنان.
لكنّ ما لم يكن في الحسبان هو أنّ زيارة هيكل ستتعرّض لاختبار سياسي قاسٍ بعد ساعات فقط، عندما نشر السيناتور الجمهوري المعروف ليندسي غراهام تغريدة أشعلت النقاش في واشنطن وبيروت على حدّ سواء.
اللقاء في الخارجية: ما وراء الصورة
بحسب مصادر دبلوماسية مطّلعة، حمل اللقاء بين العماد هيكل وكبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مسعد بولس طابعًا استراتيجيًا أكثر منه بروتوكوليًا. فبولس، الذي أدّى دورًا محوريًا في رسم مقاربة الإدارة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، أراد أن يسمع مباشرة من قائد الجيش تقييمه للوضع الأمني في لبنان، وقدرة المؤسسة العسكرية على ضبط الحدود، وإدارة التوترات المتصاعدة في الجَنُوب، والتعامل مع التحديات الاقتصادية التي تضرب بنية الجيش ورواتب عناصره.
ثلاثة محاور أساسية طُرحت في الاجتماع:
استمرارية الدعم الأميركي للجيش في ظل النقاشات داخل الكونغرس حول جدوى هذا الدعم.
مرحلة ما بعد شمال الليطاني، وما إذا كان الجيش قادرًا على تنفيذ التزاماته في المناطق الحساسة.
التوازن الداخلي في لبنان، وكيف يمكن للجيش أن يبقى مؤسسة جامعة في ظل الانقسام السياسي والطائفي.
تقول مصادر متابعة إنّ بولس كان واضحًا في التأكيد على أنّ الإدارة الأميركية ترى في الجيش اللبناني "الركيزة الأخيرة للاستقرار"، وأنّ دعم المؤسسة العسكرية ليس فقط قرارًا أمنيًا، بل قرار سياسي مرتبط بمنع انهيار الدولة اللبنانية.
لحظة التحوّل: تغريدة ليندسي غراهام
بعد ساعات من اللقاءات الرسمية، خرج السيناتور الأميركي ليندسي غراهام بتصريح صادم. كتب على حسابه:
"لقد عقدتُ للتو اجتماعًا قصيرًا جدًا مع قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل. سألته مباشرةً ما إذا كان يعتقد أن حزب الله منظمة إرهابية. فأجاب: 'لا، ليس في السياق اللبناني'."
ثم أضاف غراهام:
"حزب الله بالتأكيد إرهابي، ويده ملطخة بدماء المارينز الأميركيين، وطالما هذا الأداء مستمر من قبل القوى المسلحة اللبنانية، فلا أظنّ أنهم حليف يتكل عليه. لقد تعبت من ازدواجية الخطاب في الشرق الأوسط. الكثير من الأمور باتت على المحك."
لماذا أثارت التغريدة كل هذا الجدل؟
لأنّها وضعت قائد الجيش في قلب معركة سياسية أميركية داخلية، وفتحت الباب أمام تساؤلات حول مستقبل الدعم الأميركي للمؤسسة العسكرية. كما أنّها أعادت إحياء النقاش القديم – الجديد حول عِلاقة الجيش بحزب الله، وهو مِلَفّ لطالما حاولت القيادات اللبنانية تجنّب الخوض فيه علنًا.
بين الحقيقة والسياق: ماذا قال هيكل فعلًا؟
مصادر مطّلعة على الاجتماع أكدت أنّ إجابة العماد هيكل كانت تقنية ودستورية، وليست سياسية. فهو لم ينفِ تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية دوليًا، لكنه أوضح أنّ الجيش، كمؤسسة رسمية، يتعامل مع الواقع اللبناني كما هو: حزب الله جزء من النسيج السياسي والاجتماعي، وله تمثيل نيابي ووزاري، وهو أمر لا يمكن للجيش تجاهله في مقاربة الأمن الداخلي.
بمعنى آخر:
هيكل لم يقدّم موقفًا سياسيًا.
بل شرح واقعًا قانونيًا: الجيش لا يصنّف الأحزاب، بل يطبّق القانون.
والقرار بتصنيف أي جهة "إرهابية" يعود للحكومة اللبنانية، وليس للمؤسسة العسكرية.
لكنّ غراهام، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه إيران وحزب الله، اختار أن يقدّم الإجابة خارج سياقها، ما حوّلها إلى مادة سياسية قابلة للاشتعال.
السفيرة ندى معوّض: محاولة لاحتواء العاصفة
في خضمّ الجدل، خرجت سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوّض لتقدّم رواية أكثر توازنًا. قالت:
"لدينا وعود باستمرار الدعم الأميركي للجيش اللبناني والقوى المسلّحة، واللقاءات مع قائد الجيش إيجابية جداً."
وأضافت:
"الاجتماعات في مجلس الشيوخ جيدة جداً، وهناك ثناء على دور الجيش في الانتشار الميداني، وسُئلنا عن مرحلة شمال الليطاني وقائد الجيش قدّم الشرح اللازم."
ما الذي تعنيه تصريحات معوّض؟
أنّ المؤسسة الدبلوماسية اللبنانية تدرك خطورة ما قاله غراهام.
وأنّها تتحرك بسرعة لطمأنة الكونغرس بأنّ الجيش لا يغيّر عقيدته ولا موقعه.
وأنّ الدعم الأميركي لا يزال قائمًا، رغم الأصوات المتشددة.
الجيش اللبناني في واشنطن: بين الدعم والشكوك
منذ سنوات، يشكّل الجيش اللبناني أحد أبرز ملفات التعاون بين بيروت وواشنطن. فقد ضخت الولايات المتحدة أكثر من 3 مليارات دولار في دعم المؤسسة العسكرية منذ 2006، شملت تدريبًا، تجهيزات، أسلحة، وصيانة.
لكنّ هذا الدعم لم يكن يومًا خارج النقاش السياسي. فهناك تيار داخل الكونغرس يرى أنّ الجيش "غير قادر" على مواجهة حزب الله، وبالتالي فإنّ الدعم الأميركي "غير مجدٍ". في المقابل، هناك تيار آخر يعتبر أنّ الجيش هو البديل الوحيد عن الفوضى، وأنّ إضعافه يعني ترك لبنان لقوى غير حكومية.
زيارة هيكل جاءت في لحظة حساسة:
توتر متصاعد في الجَنُوب.
نقاش داخل الإدارة حول أولويات الدعم الخارجي.
انتخابات أميركية تقترب، ما يجعل كل مِلَفّ قابلًا للتسييس.
ضغوط اقتصادية خانقة على الجيش اللبناني.
لذلك، كان على قائد الجيش أن يقدّم صورة واضحة: الجيش مؤسسة مستقلة، ملتزمة بالقانون، وقادرة على حماية الاستقرار.
كيف قرأت واشنطن إجابات هيكل؟
حَسَبَ مصادر في الكونغرس، فإنّ ردّ هيكل لم يُفهم على أنّه دفاع عن حزب الله، بل على أنّه توصيف واقعي. لكنّ المشكلة كانت في طريقة تقديم غراهام للأمر، إذ بدا وكأنه يحاول دفع الجيش إلى تبنّي موقف سياسي لا يمكنه اتخاذه.
في المقابل، هناك من رأى في إجابة هيكل:
احترامًا لحدود دوره الدستوري.
تجنّبًا لجرّ الجيش إلى صراع سياسي داخلي.
تمسّكًا بمبدأ أنّ الجيش ليس طرفًا في النزاعات السياسية.
وهذا ما جعل العديد من أعضاء مجلس الشيوخ يواصلون لقاءاتهم مع الوفد اللبناني دون تغيير في الموقف.
البعد الإنساني: الجيش بين السياسة والواقع
بعيدًا عن السياسة، حملت زيارة هيكل بُعدًا إنسانيًا واضحًا. فالمؤسسة العسكرية تواجه أزمة غير مسبوقة: رواتب منهارة، بنية لوجستية متعبة، تحديات يومية في تأمين المحروقات والطبابة والطعام للعسكريين.
في الاجتماعات، ركّز هيكل على:
ضرورة استمرار الدعم المعيشي للعسكريين.
أهمية برامج التدريب التي تمنح الضباط فرصًا للبقاء داخل المؤسسة.
الحاجة إلى دعم لوجستي مستدام، وليس مساعدات ظرفية.
وقد لاقت هذه النُّقَط تفهّمًا واسعًا، خصوصًا أنّ الجيش اللبناني يُنظر إليه في واشنطن كـ"خط الدفاع الأخير" ضد الانهيار الكامل للدولة.
بين السياسة والرمزية: ماذا تعني زيارة الخارجية؟
لقاء قائد الجيش بمستشار الرئيس الأميركي ليس تفصيلًا. فهو يحمل رسائل عدّة:
أنّ الجيش اللبناني بات جزءًا من الحسابات الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.
أنّ واشنطن تريد سماع تقييم مباشر من المؤسسة العسكرية، وليس فقط من السياسيين.
أنّ الإدارة الأميركية تراقب عن كثب ما يجري في لبنان، خصوصًا في الجنوب.
كما أنّ الزيارة تعكس ثقة أميركية بشخص العماد هيكل، الذي يُنظر إليه كقائد هادئ، واقعي، وغير صدامي، قادر على إدارة مؤسسة حساسة في بلد شديد التعقيد.
ارتدادات لبنانية: كيف استُقبلت تصريحات غراهام؟
في بيروت، أثارت تغريدة غراهام موجة من التحليلات. البعض رأى فيها محاولة للضغط على الجيش، والبعض الآخر اعتبرها جزءًا من حملة داخل الكونغرس لربط الدعم الأميركي بمواقف سياسية واضحة تجاه حزب الله. لكنّ معظم المراقبين اتفقوا على أنّ:
الجيش لا يستطيع تغيير الواقع السياسي اللبناني.
ولا يمكنه تبنّي مواقف تصعيدية قد تفجّر الداخل.
وأنّ واشنطن تعرف ذلك، حتى لو عبّر بعض السياسيين الأميركيين عن مواقف متشددة.
خلاصة: زيارة في لحظة مفصلية
زيارة العماد رودولف هيكل إلى واشنطن لم تكن زيارة عادية. فقد جاءت في لحظة دقيقة، ووضعت الجيش اللبناني تحت المجهر الأميركي. وبينما حاولت الإدارة الأميركية إرسال رسائل دعم واضحة، جاءت تغريدة غراهام لتذكّر بأنّ الملف اللبناني لا يزال ساحة تجاذب داخل واشنطن نفسها.
لكنّ الأهم هو أنّ قائد الجيش خرج من هذه الجولة بمحصّلة إيجابية: دعم مستمر، ثناء على أداء المؤسسة، واعتراف بدورها المركزي في حماية الاستقرار.
أما الجدل السياسي، فسيبقى جزءًا من المشهد. فالجيش اللبناني، شاء أم أبى، يقف دائمًا عند تقاطع السياسة والأمن، بين الداخل والخارج، بين الواقع والطموح. وفي كل مرة، عليه أن يوازن بدقّة بين دوره الوطني وحدود اللعبة السياسية.












02/05/2026 - 14:57 PM





Comments