الجنوب في قلب الفاتيكان والمغتربون في قلب الديمقراطية: مبادرات نيابية تعيد رسم خريطة لبنان السياسي

11/19/2025 - 09:10 AM

Bt adv

 

 

 

تحقيق خاص – بيروت تايمز - إعداد: منى حسن

 

تتقاطع المبادرات النيابية والشعبية في لبنان مع استحقاقات دولية كبرى، من زيارة البابا لاوون الرابع عشر المرتقبة، إلى الانتخابات النيابية المقبلة، مرورًا بحق المغتربين في الاقتراع، وكلها تعكس صراعًا بين منطق الدولة الدستورية ومنطق الامتيازات المتساقطة.
وفي هذا السياق، برزت مبادرتان لافتتان: الأولى يقودها النائب الياس جرادة لتثبيت الجنوب كمحطة في زيارة البابا، والثانية عريضة نيابية تطالب بإقرار قانون اقتراع المغتربين، وكلتاهما تحمل في طياتها رسائل سياسية، اجتماعية، ودستورية عميقة.

الجنوب في قلب المبادرة البابوية: جرادة يواجه السردية الصهيونية

منذ إعلان الفاتيكان عن زيارة البابا لاوون الرابع عشر للبنان، باشر النائب الياس جرادة العمل على مبادرة لإدراج الجنوب كواحدة من محطات الزيارة، لما تحمله أرضه من رمزية تاريخية ودينية، بوصفها أرض السيد المسيح، ولما تمثله من تحدٍّ وجودي أمام السردية الصهيونية التي تسعى لتقديمها كجزء من "إسرائيل الكبرى".

وأعدّ جرادة عريضةً وقّعها سبعة نواب إلى جانبه، هم: حليمة القعقور، بولا يعقوبيان، نجاة صليبا، إبراهيم منيمنة، ياسين ياسين، وملحم خلف. وأوضح أن التواقيع جُمعت على عجل بسبب الإعلان السريع عن برنامج الزيارة، ما استدعى تسليم رسالة رسمية للسفير البابوي في لبنان، على أمل تعديل البرنامج ليشمل الجنوب.

وأكد جرادة أن "لو سنح الوقت لكان عدد أكبر من النواب شارك في التوقيع"، لكنه أشار إلى وجود "جوّ متحفّظ ضد زيارة الجنوب، لحسابات سياسية داخلية ضيّقة، ولهذا الجو امتداده داخل السلطة، وفي المواقع الرسمية".

وقد تلقّى النواب جوابًا رسميًا بأن "الرسالة وصلت إلى الفاتيكان"، ما فتح الباب أمام تفاعل دبلوماسي وشعبي واسع.

مبادرة شعبية موازية: الجنوب ليس منسياً

بالتوازي، انطلقت مبادرة أخرى من مجموعة ناشطين سياسيين ودينيين لحثّ البابا على زيارة الجنوب.
وفي إيطاليا، ساهم صحافيون من أصول لبنانية في إيصال المبادرتين إلى الفاتيكان، مؤكدين أن "زيارة الجنوب هي تأكيد على أن هذه الأرض ليست هامشاً على هوامش جغرافيا وتاريخ البلد، بل جزء أصيل وحيوي منه".

وجاء في مضامين الرسالة الرسمية إشارات سياسية واجتماعية عدّة، أبرزها:

- الجنوب لا يزال يعاني من ويلات الحرب الأخيرة وتبعاتها القاسية

- العدو الإسرائيلي يصرّ على ضرب مقوّمات الحياة ومنع العودة الآمنة للآلاف

- نموذج العيش المشترك في الجنوب يستحق الدعم والتثبيت

- زيارة البابا الى لبنان تمثّل بادرة سلام وتضامن، وتحفيزًا للمجتمع الجنوبي الصامد

وأكد أصحاب المبادرتين أن زيارة البابا للجنوب ( اذا حصلت ) ستكون بمثابة تحية للمجتمع الجنوبي، وتشجيعًا له لتجاوز عقبات العودة الآمنة، وتسليط الضوء عالميًا على معاناته، وحاجته إلى دعم دولي لضمان الاستقرار والضمانات الأمنية.

اقتراع المغتربين: عريضة نيابية في وجه التعطيل

في سياق موازٍ، عقد نواب المعارضة مؤتمرًا صحافيًا في مجلس النواب للإعلان عن تقديم عريضة نيابية بشأن اقتراع المغتربين، في خطوة تهدف إلى حماية العملية الانتخابية من التعطيل والتشكيك.

وجاء في بيانهم أن "إحالة مشروع القانون إلى اللجان أو الامتناع عن إدراجه ضمن أولويات الهيئة العامة يعني عملياً تعطيل العملية الانتخابية ويعرّضها للطعن"، مطالبين بـ"إدراج مشروع القانون المعجل فوراً كبند أول في أول جلسة للهيئة العامة والتصويت عليه، من دون أيّ تأجيل".

وأكد النواب أن "مشاركة المغتربين في الانتخابات جزءٌ أساسي من حماية الديمقراطية وإتمام العملية الانتخابية بعدالة وشفافية"، داعين المنتشرين إلى الإسراع في التسجيل. وتهدف العريضة إلى كشف الكتل النيابية والنواب المستقلين الذين يتمسكون فعليًا بتعديل القانون، وعدم حرمان المنتشرين من الاقتراع من الخارج، باعتبار أن لا فرق بين المقيم والمغترب في العملية الديمقراطيأزمة الشرعية السياسية: من الثورة إلى الهندسة الوطنية

في قراءة سياسية أعمق، اعتبر نواب المعارضة أن "الجيل الذي نزل إلى الشوارع في 17 تشرين لا يبحث عن زعيم، بل عن وطن ودولة ترعى مصالحه ومستقبله". وأشاروا إلى أن "عدم إدراك نواب التغيير لهذا المعنى أفقدهم شرعيتهم الأخلاقية قبل السياسية"، مؤكدين أن "الشعب اللبناني لا يريد خطابات جديدة بوجوه جديدة أو متجددة، بل حياة كريمة داخل دولة عادلة".

ودعوا إلى الانتقال من منطق الثورة العاطفية إلى منطق "الهندسة الوطنية" التي تُعيد صياغة العقد الاجتماعي على أسس المواطنة، معتبرين أن الانتخابات المقبلة ستكون إما محطة تأسيس للدولة الدستورية الراعية، أو آخر فصل من فصول "جمهورية الامتيازات والمحاصصات الميليشياوية" التي استنفدت كل مبرّرات بقائها.

لبنان بين المبادرة والقرار

في ظل هذه المبادرات المتوازية، يبدو أن لبنان يقف أمام مفترق طرق حقيقي:

- إما أن ينجح في تحويل زيارة البابا إلى محطة وحدة وطنية وتثبيت للهوية الجنوبية

- وإما أن يُفرّط بحقوق المغتربين في المشاركة السياسية، ما يضع شرعية الانتخابات على المحك

وفي الحالتين، تبقى بيروت تايمز منصة لرصد نبض المبادرات، وتوثيق لحظة لبنانية تتأرجح بين التأسيس والانهيار، وبين منطق الدولة ومنطق التهميش.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment