الشهيد الرائد سمير الأشقر، أسد المغاوير، رمز المقاومة اللبنانية، وآيقونة فرسان السيادة والعنفوان

11/17/2025 - 10:17 AM

A

 

 

إعداد: ادمون الشدياق

 

في زمنٍ تاهت فيه البوصلة الوطنية، وارتبكت فيه المفاهيم بين الولاء والخضوع، ينهض اسم الشهيد الرائد سمير الأشقر كراية لا تنكسر، وصوتٍ لا يخفت، وضميرٍ حيّ في ذاكرة لبنان. لم يكن مجرد ضابط في الجيش، بل كان تجسيدًا حيًّا لفكرة الوطن حين يتجسّد في رجل، وللشرف حين يُكتب بالدم لا بالكلمات.

هذا المقال ليس سردًا لسيرة عسكرية فحسب، بل هو شهادة وفاء لعسكري عاش واقفًا، ومات واقفًا، ورفض أن ينحني حتى في لحظة الاستسلام. هو تكريمٌ لبطولاتٍ لا تُنسى، ولمواقفٍ لا تُشترى، ولعنفوانٍ لبنانيٍ خالصٍ لا يعرف المساومة.

نكتب عن سمير الأشقر لأننا نحتاج أن نتذكّر أن البطولة ليست في عدد الرتب، بل في نقاء الموقف. نكتب عنه لأن لبنان، رغم كل ما مرّ به، لا يزال يختزن في أعماقه رجالًا يشبهونه… رجالًا لا يساومون على الكرامة، ولا يبيعون السيادة، ولا يركعون إلا لله.

رحم الله الشهيد الرائد سمير الأشقر، وأسكنه فسيح جناته، وجعل من ذكراه نبراسًا لكل من لا يزال يؤمن أن لبنان يستحق أن يُدافع عنه… حتى الرمق الأخير.

الشهيد الرائد سمير الأشقر

 

السيرة الذاتية

مواليد 1945، استُشهد في 1 تشرين الثاني 1978 عن 33 سنة فقط، لكنه عاش ما يكفي ليكتب صفحة من أعظم صفحات الكرامة اللبنانية.

دخل الكلية الحربية في الثامنة عشرة، وتخرّج ملازماً أول عام 1966، ثم انضم فوراً إلى فوج المغاوير، وصار خلال سنوات قليلة أحد أهم ضباطه وأكثرهم شعبية وشجاعة.

رُقّي بعد استشهاده إلى رتية رائد فوراً تكريماً له، ثم إلى مقدم فعميد، ويُعتبر اليوم من أهم الرموز الوطنية في تاريخ الجيش اللبناني.

أبرز بطولاته العسكرية:

معركة المدينة الرياضية (تموز 1973)

قاد عملية استعادة المدينة الرياضية من مسلّحي "جبهة الرفض" الفلسطينية.

في أقل من 48 ساعة، قضى رجاله على 171 مسلحاً وأسروا عشراتٍ منهم، واستعادوا المنشأة كاملة دون أي خسارة مدنية.

صورته فوق الملعب وهو يرفع العلم اللبناني أصبحت أيقونة وطنية.

معارك وسط بيروت التجاري وبناية فتال (تشرين الأول 1975 – آذار 1976)

من أطول وأخطر المعارك الدفاعية في بدايات الحرب الأهلية.

القوات المهاجمة: أكثر من 3000 مسلح مدعومين بمدفعية 130 ملم من تل الزعتر ودبابات T-34 وT-54.

القوات المدافعة: 42 مغواراً بقيادة النقيب سمير الأشقر.

استمرت المعركة 19 يوماً على بناية فتال المؤلفة من 12 طابقاً.

قاتل سمير في الصفوف الأولى وأُصيب بشظية في كتفه لكنه رفض الإخلاء، وكان ينام ساعتين فقط في اليوم.

خرج ليلاً تحت النيران مع مجموعة صغيرة لجلب الذخائر من ثكنة الحدث عبر الأقبية.

عندما طلبوا منه الاستسلام بواسطة مكبرات الصوت، ردّ من السطح:

"ما بنسلم إلا للجيش اللبناني… وإذا بدكن تدخلوا، تعالوا خذوا جثثنا".

انتهت المعركة بوقف إطلاق النار، وخرج الـ42 مغواراً رافعين العلم اللبناني دون أسير واحد.

ومنذ ذلك اليوم، لُقّب سمير الأشقر بـ"أسد بيروت".

معركة المدرسة الحربية – الفياضية – بعبدا (7 شباط 1978)

الخلفية الاستراتيجية

بعد فشل كل الضغوط السياسية على قيادة الجيش لإخضاع فوج المغاوير، أصدر حافظ الأسد أمراً مباشراً في أواخر كانون الثاني 1978 بـ"حسم المسألة عسكرياً".

الهدف: احتلال المدرسة الحربية في الفياضية – بعبدا، لثلاثة أسباب رئيسية: كونها مركز تدريب الضباط ومستودع السلاح الرئيس لفوج المغاوير.

قطع خطوط الإمداد بين بيروت الشرقية والجبل.

كسر معنويات الجيش اللبناني وإعلان سقوط المنطقة الشرقية.

القوات المهاجمة (الجيش السوري – قوات الردع العربية)

لواء 41 وحدات خاصة (القوة الضاربة السورية).

لواء 47 وحدات خاصة.

سرية دبابات T-62 (18 دبابة).

سرية عربات BMP-1 (24 عربة).

بطاريتا مدفعية 130 ملم من جبل الكنيسة وكفرشيما.

سرية قناصة وسرية هاون 120 ملم.

الإجمالي: نحو 3400 جندي وضابط.

القوات المدافعة (فوج المغاوير بقيادة النقيب سمير الأشقر)

180 مغواراً فقط (من أصل 600).

3 دبابات M48 باتون (واحدة معطلة).

4 عربات M-113.

8 رشاشات ثقيلة، 12 قاذف آر بي جي، 6 قذائف هاون، أسلحة خفيفة.

كمية ذخيرة تكفي لأقل من 12 ساعة قتال مكثف.

سير المعركة

05:45 – 06:30: قصف مدفعي سوري عنيف بقرابة 1200 قذيفة، وردّ المغاوير بقذائف هاون دقيقة.

06:30: بدء الهجوم البري من ثلاثة محاور: الفياضية – الحدث، وادي الجاموس، مار تقلا – الحازمية.

06:45: سمير الأشقر عبر مكبر الصوت: "يا مغاوير… اليوم ما في تراجع… اللي بدو يموت يموت واقف… لبنان وراكم!"

07:15: تدمير أول دبابة T-62 داخل البوابة الرئيسية على يد الجندي إيلي الحايك.

07:30 – 09:30: قتال شوارع متواصل، استخدم فيه المغاوير تكتيكات القفز من بناء إلى بناء.

09:45: فشل الالتفاف من وادي الجاموس، وتدمير ثلاث عربات BMP وقتل 28 جندياً سورياً.

11:20: هجوم سوري جديد بثماني دبابات، يشن الأشقر هجوماً مضاداً خاطفاً يحرق أربعاً منها ويستولي على اثنتين.

13:00: طلب سوري لتعزيزات جوية يُرفض من دمشق خوفاً من ردّ إسرائيلي.

14:30: بعد تسع ساعات قتال، يُصدر أمر الانسحاب الكامل، والمغاوير يحافظون على مواقعهم.

النتائج النهائية:

قتلى سوريون: 72 (منهم 11 ضابطاً).

أسرى سوريون: 25 من الوحدات الخاصة.

دبابات مدمّرة أو مصادرة: 6.

عربات مدرعة محروقة: 7.

خسائر لبنانية: 8 شهداء و31 جريحاً.

إحدى الشهادات السورية قالت: "كنا نظن أننا نهاجم لواءً كاملاً… اكتشفنا أن رجلاً واحداً اسمه سمير الأشقر هزمنا".

وبعد أسبوعين، وصلت رسالة من حافظ الأسد إلى إلياس سركيس تقول: "إذا لم تُصفّوا سمير الأشقر سنقصف بيروت كلها".

 

اللحظات الأخيرة (1 تشرين الثاني 1978)

فجراً، طوّقت قوة من 200 عنصر بقيادة الرائد سهيل خوري كان مقرّه في البياضة – المتن الشمالي.

رفض سمير قتال الجيش اللبناني قائلاً: "هيدول إخوتنا بالجيش… ممنوع تطلقوا رصاصة واحدة عليهم. اللي بدو يستسلم يروح، واللي بدو يجي معي نروح للأحراش." استسلم بعض رجاله، فيما انسحب آخرون.

قفز الأشقر من الطابق الأول فانكسرت ساقه، فرفع يديه وقال: "خلص… استسلمت".

لكن رصاصة الخيانة والغدر أُطلقت على رأسه من الخلف داخل سيارة الإسعاف العسكرية، فقُتل فوراً.

وصلت جثته إلى المستشفى العسكري في بدارو، حيث حضر ضباط سوريون للتأكد من موته.

- الرجل خلف الأسطورة

كان يرفض لقب "النقيب"، ويقول لجنوده: "أنا سمير، وأنتم إخوتي".

كان يمنع التمثيل بجثث الأعداء، ويكرّر: "نحن جيش لبنان، لسنا ميليشيا".

كان يزور أمهات الشهداء ويبكي معهن، ورفض عروضاً مالية وسياسية ضخمة من السوريين والفلسطينيين واليسار.

بعد استشهاده، رُقّي إلى رائد ثم مقدم ثم عميد، وسُمّيت ثكنة المغاوير في الحدث باسمه.

كل عام في 1 تشرين الثاني، يجتمع المغاوير في البياضة ويضيئون شمعة في مكان استشهاده مرددين: "سمير ما مات… سمير عايش فينا." ولا يزال الجميع في الثكنة يردد عند السؤال عنه: "موجود يا نقيب!"

الخاتمة

 رجل في قامة الرائد سمير الأشقر لم يمت في تلك السيارة الباردة فجر 1 تشرين الثاني 1978، بل مات فيها اللبنانيون الذين قبلوا أن يعيشوا على ركبهم.الدولة الضعيفة والمتواطئة لم تحتمل بطلاً في قامته، فآثرت اغتياله بعدما عجزت عن مجاراته في الشرف. قتلوه في سيارة إسعاف، برصاصة من الخلف، لأن الجبان لا يجرؤ على مواجهة الأبطال. لكن التاريخ أنصفه: كل من شارك في قتله أو سكت عنه انتهى في مزابل التاريخ، بينما ظل اسمه يرفرف في ثكنات الشرف.إنه وريث الجينة الفينيقية التي تقول منذ آلاف السنين:

"ممكن تقتلنا… لكن ما رح تقدر تخلّينا نركع."من صور وصيدا وجبيل إلى المدينة الرياضية وبناية فتال والمدرسة الحربية والبياضة،

هو الخيط الذهبي الذي يربط تاريخ لبنان بمستقبله.عندما يُسأل لبنان: "شو بقي؟" ويبقى الجواب واحداً: بقي سمير الأشقر، بقي صوته، بقي رفضه أن يُراق دم لبناني بسببه.

بقي العنفوان الذي لم تستطع دولة الذمية والتواطؤ أن تمحوه.طوبى لمن مات ولم ينحني، وطوبى لأمة لا تزال، ولو في قلّة، تحمل في دمها جينة الفينيقيين… جينة سمير الأشقر.رحم الله أسد المغاوير، ورحم الله لبنان الذي كان يستحق رجالاً مثله، ولا يزال في أعماقه يستحقه.

الشهيد الرائد سمير الأشقر… موجود. من صور وصيدا وجبيل، وحتى آخر لبناني يرفض أن ينحني.

 

المراجع والمصادر : 

العميد خليل كنعان، أيام لا تُنسى – فوج المغاوير في الحرب، دار النهار، بيروت 2003.

العميد وجيه عبدو، شهادات مكتوبة ومسجلة في أرشيف قيادة الجيش اللبناني، 2008.

العقيد المتقاعد أحمد الخطيب، الجيش اللبناني في الحرب الأهلية، 1998.

مجلة "الجيش" اللبنانية، أعداد تشرين الثاني 1978–1980.

تقارير عمليات فوج المغاوير المحفوظة في قيادة الجيش.

تقرير عمليات فوج المغاوير الرسمي عن معركة 7 شباط 1978 (أرشيف قيادة الجيش).

شهادات شفوية مسجلة في متحف فوج المغاوير عن الرائد إيلي الحايك، الرائد جوزيف الحداد، والعقيد ميشال معوض وآخرين.

الوحدات الخاصة السورية في لبنان 1976–2005 (وثيقة داخلية سورية مسرّبة، 2012).

أحمد بيضون، الحرب الأهلية اللبنانية: شهادات ووثائق، دار النهار

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment