ألفة السلامي
بينما يجتمع قادة العالم في بيليم لحضور مؤتمر الأطراف الثلاثين لتغير المناخ الذي انطلق يوم 6 نوفمبر ويستمر حتى 21 نوفمبر، يختبر المؤتمر يوميا معارك شديدة الوطأة، خاصة تلك المتعلقة بالضغط على منتجي الوقود الأحفوري وتحقيق الهدف الكمي الجماعي الجديد (NCQG) بشأن تمويل المناخ والعوائق الهيكلية التي تمنع وصول الأموال إلى الاقتصادات الناشئة والتي مازالت دون معالجة إلى حد كبير. وبينما يبدي بعض المشاركين ارتياحهم لبقاء الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب بعيدا عن المؤتمر، يعرب البعض الآخر عن قلقهم تجاه غياب أكبر مصدر للانبعاثات مما قد يضعف أي اتفاقات.
مغامرات ممتعة رغم الصعوبات
واجه غالبية المشاركين صعوبات لوجستية حتى يصلوا إلى بيليم، شمال البرازيل وتبعد عن العاصمة ساوباولو حوالي ألفي كيلومتر برا وأقل من ساعتين جوا. ومع ذلك يبدو عليهم الدهشة والاستمتاع بالمزيج الفريد من الثقافة الأصيلة والتاريخ الاستعماري حيث تعتبر أول مستعمرة أوروبية على يد البرتغال في منطقة الأمازون في 1616. وينتشر المشاركون بعد انتهاء جلسات المؤتمر في مجموعات صغيرة مثل المغامرين يجوبون الشوارع والأسواق الكبيرة، مثل سوق فيرو بيسو، لاستكشاف المأكولات التقليدية المحلية التي تُعد من منتجات الغابة المطيرة.
ويتناولون الطعام على أنغام موسيقى "الكاريمبو" و"فافا دي بيليم" وهما من التراث الثقافي غير المادي المسجل في اليونسكو. ولا يفوتهم تجربة الفواكه الاستوائية مثل المانجو التي تشتهر بها المدينة وهي تدخل في عدة أكلات أيضا مع الأفوكادو والباشن فروت، إضافة إلى فاكهة الكوبواسو وهي تشبه الكاكاو ورائحتها تشبه الأناناس مع الشوكولاتة وطعمها كالبطيخ والجابوتيكابا أو العنب البرازيلي ذي اللون الأحمر الداكن والذي ينمو بشكل غريب على جذوع الشجرة. أما أشهر طبق خلال هذه الجولة فهو توت الآساي ولا يقدم كعصير أو حلوى بل كطبق تقليدي يسمى "كوبيا" وهو بمثابة طعام يومي لسكان الأمازون الأصليين.
أبطال البيئة والملوثون الكبار
الشعوب الأصلية من جميع أنحاء الأمازون أبطال في هذا المؤتمر كما أراد لهم ذلك الرئيس البرازيلي لولا دي سيلفا عندما أصرّ على عقده في عاصمة الأمازون، المنطقة الأكثر تضررا بالتغير المناخي. وقد قطع هؤلاء السكان الأصليون مئات الكيلومترات للمطالبة بمشاركة فعّالة في مفاوضات المناخ. وتراهم في ردهات المؤتمر وخارج المقر. رسالتهم واضحة: إن التحول الأخضر الذي يتجاهل أصوات الشعوب الأصلية ليس عدالة، بل هم من يداومون على الحفاظ على رئة العالم وهم من يحتاجون الإنصاف. لكن تحالف "طرد الملوثين الكبار" (KBPO) يرى أن عدد المشاركات الأكبر ليست للسكان الأصليين المطالبين بالتحول الأخضر بل لجماعات الضغط في مجال الوقود الأحفوري الذين تم منحهم أكثر من 1600 مشاركة في محادثات المناخ.
يمثل هذا زيادة بنسبة 12% عن محادثات المناخ التي عُقدت العام الماضي في باكو، أذربيجان، مما يعكس حضورا قويا لصناعة الوقود الأحفوري في مفاوضات هذا العام الحاسمة. وقد ضمّت وفود العديد من دول الشمال ممثلين عن هذه الصناعة، حيث شاركت فرنسا بـ 22 مندوبًا من قطاع الوقود الأحفوري، خمسة منهم من شركة توتال إنيرجيز، بمن فيهم الرئيس التنفيذي باتريك بويانيه؛ وضمّ وفد اليابان 33 من جماعات الضغط في مجال الوقود الأحفوري، من بينهم شركتا ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة وأوساكا غاز؛ بينما حضرت النرويج بـ 17 شخصًا إلى المحادثات، من بينهم ستة من كبار المسؤولين التنفيذيين في عملاق النفط والغاز الوطني، إكوينور.
ويتهم ناشطون في مجال البيئة شركات النفط الكبرى بالمساهمة بشكل مباشر أو غير مباشر في استمرار الإبادة الجماعية والدمار في فلسطين والعنف المنهجي في جميع أنحاء العالم. يأتي ذلك فيما واصل القطاع النفطي توسيع عملياته وسجل 250 مليار دولار تمويلات لمشاريع نفط وغاز جديدة خلال أقل من عام منذ مؤتمر المناخ السابق في أذربيجان، على الرغم من الدعوات المتزايدة للانتقال السريع والعادل بعيدًا عن الوقود الأحفوري.
المجتمعات الأصلية رافضة للمؤتمر
من المفارقات أن البرازيل التي أرادت لمؤتمر التغير المناخي أن يكون صوت الشعوب الأصلية، حتى أنها أنشأت وزارة الشعوب الأصلية في عام 2023، فوجئت برفض هذه المجتمعات لعقد المؤتمر في الأمازون على عكس حماس الحكومة. نظريًا، يبدو المؤتمر واعدًا. لكن تصاعدت انتقادات السكان للحكومة التي تُنفق الأموال الباهظة على التحضيرات، بل وأقدمت على إزالة شريط من الغابات المطيرة لبناء طريق سريع بأربعة مسارات أكملته قبل بدء القمة.
وردًا على ذلك، انطلقت أكثر من 60 منظمة من السكان الأصليين من جبال الأنديز في الإكوادور، قاطعةً مسافة 3000 كيلومتر أسفل نهر الأمازون إلى بيليم، تحت اسم أسطول "ياكو ماما". ويُترجم اسم الأسطول إلى "أم المياه" بلغة الكيتشوا، مما يعكس الاعتقاد بأن لجميع أجزاء البيئة أمًا ترعاها -وأم الأنهار هي الأناكوندا العظيمة.
رحلتهم احتجاج ومطلب في آن واحد: إنهاء استخراج الوقود الأحفوري، واحترام الشعوب المنعزلة، والتمويل المباشر للمشاريع التي تقودها المجتمعات المحلية، والالتزام بحلول مناخية تتمحور حول المعرفة المتوارثة لدى هذه الشعوب الأصلية. وتُظهر الدراسات باستمرار أن النظم البيئية الخاضعة لإشراف السكان الأصليين أكثر صحةً ومرونة من تلك الخاضعة لسيطرة الدولة أو الشركات، مما يجعل المشاركة النشطة للسكان الأصليين أساسيةً لاستدامة حقيقية وفعالة.
لكن هناك فجوة عميقة بين ما يطمح إليه منظمو مؤتمر الأطراف وما يختبره قادة السكان الأصليين على أرض الواقع، والتناقض بينهما صارخ. على سبيل المثال، تشارك بنوك مثل جي بي مورغان تشيس في مفاوضات المؤتمر للتحول البيئي؛ والأخير لايزال أحد أكبر ممولي استخراج الوقود الأحفوري في الأمازون، وهي عمليات تعاني منها السكان على طول النهر بشكل مباشر، حيث يعثرون على دلافين النهر ميتة بسبب التسمم بالزئبق، ومواجهة الجفاف المتفاقم، والمخاطر على الحياة البرية والمائية. مع ذلك، تتعامل النخبة العالمية مع مناطق مثل الأمازون كسوق لاستغلال الكربون بينما تتعامل مجموعات البيئة مثل "ياكو ماما" مع الأرض على أساس أنها يجب حمايتها ويطالبون بالإنصات إلى أولئك الذين صانوا الأنظمة البيئية العالمية قبل أن يصبح العمل المناخي شعارًا بزمن طويل. ولعل الدروس تصل!
وعندما يختتم مؤتمر الأطراف الثلاثين لتغير المناخ في بيليم الأسبوع المقبل أعماله فإنه قد ينسى أو يتناسى كل هذه القضايا ويركز على قضية واحدة سوف تحدد مدى نجاح القمة: ما إذا كان المؤتمر قادرا أخيرا على إصلاح الطريقة التي يتدفق بها تمويل المناخ ــ أو بالأحرى، يفشل في التدفق ــ إلى العالم النامي.












11/15/2025 - 05:52 AM





Comments