لبنان بين التسويات الإقليمية وإعادة رسم التوازنات

06/12/2026 - 16:10 PM

A

 

 

 

 رشيد ج. مينا

تناولت في مقالات سابقة تعقيدات الواقع اللبناني منذ إعلان دولة لبنان الكبير، وما شهده لبنان خلال أكثر من خمسة عقود من الحروب والأزمات والوصايات والتدخلات الخارجية التي حالت دون نجاحه في تحويل مشروع الدولة إلى واقع مكتمل. كما تناولت التحولات التي شهدتها المنطقة، ولا سيما تنامي الدور الإيراني خلال العقود الأربعة الماضية من خلال شبكة نفوذ امتدت إلى عدد من الساحات العربية، وفي مقدمها لبنان، وما أصاب هذا المشروع من انتكاسات متلاحقة كان أبرزها سقوط نظام الأسد وخسارة إيران إحدى أهم ركائز نفوذها الإقليمي.

وانطلاقًا من تلك القراءة، كان تقديري أن المواجهة الأمريكية ـ الإسرائيلية مع إيران لا تستهدف بالضرورة إسقاط النظام الإيراني بقدر ما تستهدف إعادة ضبط دوره وحدود حركته بما ينسجم مع المتغيرات الجديدة في المنطقة. فالأولوية الأمريكية تبدو مرتبطة بإعادة ترتيب الشرق الأوسط بما يضمن التفوق الإسرائيلي، وتوسيع دائرة النفوذ والتطبيع، وإحكام السيطرة على الممرات الاستراتيجية ومصادر الطاقة، أكثر من ارتباطها بإحداث تغيير جذري في بنية النظام الإيراني نفسه.

وإذا كانت المؤشرات المتوافرة حتى الآن لا تسمح بالجزم بالشكل النهائي للتسويات التي يجري إعدادها في المنطقة، فإنها تشير إلى اتجاه عام يقوم على إعادة ترتيب موازين القوى بما ينسجم مع الواقع الجديد الذي فرضته الحروب الأخيرة. ويبدو أن واشنطن تسعى إلى تثبيت واقع إقليمي جديد تكون فيه إسرائيل القوة المهيمنة عسكريًا وأمنيًا وسياسيًا، فيما يجري احتواء الخصوم وإعادة تعريف أدوارهم وحدود حركتهم بما لا يتعارض مع هذا الهدف.

وفي هذا السياق، لا يبدو أن المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران تتجه نحو قطيعة كاملة أو مواجهة مفتوحة تنتهي بإسقاط النظام الإيراني، بل أقرب إلى محاولة إنتاج تفاهم جديد يأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فإيران، رغم ما تعرضت له من خسائر وتراجعات، لا تزال تمتلك أوراق قوة تجعل من الصعب تجاوزها بالكامل، كما أن الولايات المتحدة لا تبدو معنية بخلق فراغ واسع في دولة بحجم إيران وموقعها.

ومن هنا، تبدو فرضية التوصل إلى تفاهم جديد أكثر واقعية من فرضية الحسم الكامل. تفاهم قد يسمح لإيران بالاحتفاظ بدورها داخل حدودها الجغرافية وبجزء من حضورها الإقليمي، ولكن ضمن سقوف وضوابط جديدة تختلف عن تلك التي حكمت مرحلة التمدد التي بدأت مع الغزو الأمريكي للعراق وتواصلت عبر سوريا ولبنان واليمن وغزة.

ولا تقتصر أهداف الترتيبات التي يجري العمل عليها في المنطقة على إعادة ضبط الدور الإيراني أو معالجة الملفات الأمنية والعسكرية فحسب، بل تبدو مرتبطة أيضًا بإعادة تشكيل البيئة السياسية للشرق الأوسط بما ينسجم مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية للمرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، تتزايد المؤشرات على دفع مسار الاتفاقات الإبراهيمية إلى مستويات أوسع، مقابل تراجع الاهتمام بالأسس التي قامت عليها مشاريع الحلول الشاملة والعادلة للقضية الفلسطينية، وفي مقدمها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. وهو ما يهدد بتحويل القضية الفلسطينية من قضية مركزية في المنطقة إلى ملف ثانوي يجري التعامل معه من منظور أمني وإنساني أكثر منه سياسي ووطني.

أما لبنان، فيبدو أحد أبرز الساحات المرشحة لتظهير نتائج هذه التحولات. فالمفاوضات المباشرة الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية لا تبدو محصورة بالملفات الأمنية والعسكرية الآنية، بل قد تشكل مدخلًا لمسار أوسع تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية والدستورية والاقتصادية.

وفي هذا الإطار، تبرز مسألة سلاح حزب الله بوصفها إحدى القضايا المركزية المطروحة على طاولة البحث، ليس فقط من زاوية العلاقة بين الدولة والحزب، بل من زاوية انعكاس أي تفاهم أمريكي ـ إيراني محتمل على مستقبل هذا السلاح ودوره ووظيفته. فالتجارب السابقة تشير إلى أن القرارات الكبرى المرتبطة بالمشهد الإقليمي لم تكن بمعزل عن التفاهمات بين القوى الدولية والإقليمية المؤثرة.

ومن هنا، تبدو فرضية انتهاء الدور العسكري لسلاح حزب الله أو انتقاله إلى مرحلة مختلفة أكثر ارتباطًا بالتحولات الإقليمية الكبرى منها بالتجاذبات اللبنانية الداخلية. إلا أن أي تحول من هذا النوع لن يكون حدثًا معزولًا، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على التوازنات السياسية التي قامت خلال العقود الماضية على واقع القوة الذي فرضته المرحلة السابقة.

وهنا يبرز حديث متزايد في بعض الأوساط السياسية والفكرية عن إمكان الذهاب نحو إعادة صياغة التوازنات الداخلية اللبنانية تحت عناوين متعددة، من بينها تعزيز الضمانات السياسية للطائفة الشيعية بعد تراجع الدور العسكري، أو البحث في صيغ جديدة لتوزيع السلطة. ومن بين الطروحات التي يجري تداولها، ولو بصورة غير معلنة في كثير من الأحيان، الانتقال التدريجي من المناصفة التي أرساها اتفاق الطائف إلى شكل من أشكال المثالثة بين المكونات المسيحية والسنية والشيعية.

وبغض النظر عن مدى واقعية هذه الطروحات أو إمكان تطبيقها، فإن مجرد تداولها يعكس حجم التحولات التي تشهدها المنطقة، كما يعكس سعي بعض القوى إلى ترجمة المتغيرات الإقليمية في البنية السياسية اللبنانية. غير أن مثل هذه المقاربات تحمل في طياتها مخاطر كبيرة إذا جاءت نتيجة ضغوط خارجية أو موازين قوى مؤقتة، لأنها قد تؤدي إلى إنتاج أزمات جديدة بدل معالجة الأزمات القائمة.

كما أن ثمة من يقرأ بعض هذه الطروحات في إطار أوسع يتجاوز البعد اللبناني الداخلي، ليطال موقع لبنان في محيطه العربي، ولا سيما ما يتعلق بالدور السياسي للبيئة السنية التي شكلت تاريخيًا أحد أبرز جسور التواصل بين لبنان وعمقه العربي، وبخاصة مع سوريا التي مثلت على الدوام البوابة البرية الطبيعية للبنان نحو محيطه العربي والمشرقي. ومن هذا المنطلق، يرى البعض أن أي تعديل جوهري في التوازنات الداخلية قد لا يقتصر أثره على توزيع السلطة داخل لبنان، بل قد ينعكس أيضًا على طبيعة علاقته بعمقه العربي وعلى موازين القوى التي حكمت الحياة السياسية اللبنانية منذ الاستقلال.

والأخطر من ذلك أن أي تعديل في التوازنات الداخلية لا ينطلق من مفهوم المواطنة والدولة والمؤسسات، بل من إعادة توزيع النفوذ بين الطوائف، سيعيد تكريس الأزمة اللبنانية نفسها بأشكال جديدة، بدل أن يفتح الطريق أمام بناء دولة حديثة يشعر جميع أبنائها بالشراكة والعدالة والمساواة.

وفي المقابل، لا يبدو أن الواقع اللبناني الحالي يسمح بولادة تغيير حقيقي ومستدام من خلال التفاهمات الخارجية وحدها. فالتجارب السابقة أظهرت أن التسويات التي تُفرض من الخارج أو تُبنى على توازنات إقليمية مؤقتة سرعان ما تفقد فعاليتها مع تغير الظروف والمصالح.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على التسويات الخارجية مهما بلغت أهميتها، بل على قدرة اللبنانيين أنفسهم على استثمار اللحظة الراهنة في إنتاج وعي وطني جديد يتجاوز الانقسامات التقليدية، ويعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ويؤسس لمرحلة يكون فيها الانتماء الوطني متقدمًا على سائر الانتماءات الأخرى.

فقد أثبتت العقود الماضية أن كل تسوية لا تستند إلى وحدة وطنية حقيقية وإرادة لبنانية جامعة تبقى معرضة للاهتزاز مع أول تحول إقليمي أو دولي. أما الدولة التي تقوم على الشراكة الوطنية والعدالة وسيادة القانون، فهي وحدها القادرة على حماية لبنان من العودة إلى دائرة الوصايات والتدخلات والصراعات التي أنهكته لعقود طويلة.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل تكون التحولات الجارية اليوم مقدمة لإعادة إنتاج الأزمة اللبنانية بصيغة جديدة، أم فرصة تاريخية لإطلاق مسار مختلف يعيد بناء الدولة ويستعيد القرار الوطني ويمنح اللبنانيين ما انتظروه طويلًا من استقرار وسيادة ومؤسسات فاعلة؟ إن الإجابة لن تحددها التفاهمات الخارجية وحدها، بل وعي اللبنانيين وإرادتهم وقدرتهم على تحويل التحديات الراهنة إلى فرصة حقيقية لبناء وطن يستحقونه.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment