تيرغان – عيد الطاجيك القديم

06/12/2026 - 17:10 PM

San diego

 

 

 

لماذا تعارض «طالبان» عيد «النوروز» في أفغانستان؟

 

د. آدينه أحمد سعيد زاده *

كان الشعب الطاجيكي منذ القدم صاحبَ ثقافةٍ وحضارةٍ غنية، وقد ورث عبر التاريخ العديد من الأعياد والمناسبات التقليدية. ويُعدّ عيد تيرغان أحد أقدم وأشهر الأعياد الوطنية. ويُعتبر هذا العيد، إلى جانب النوروز والمهرجان والسَّدَة، من الأعياد الكبرى التي ورثها الطاجيك عن أسلافهم. وتيرغان هو عيد الماء والمطر والوفرة والصداقة والعمل، وتعود جذوره إلى عصور قديمة جداً من تاريخ الشعوب الآرية. وكان هذا العيد يُحتفل به في اليوم الثالث عشر من شهر «تير» وفق التقويم القديم، حيث كان الناس يحتفلون به بالفرح والسرور ورشّ الماء وإقامة مختلف المراسم والاحتفالات.

‫التقاليد في طاجيكستان - جولات إلى ...‬‎    طاجيكستان موطن نوروز! لقد اشتهر الطاجيك باحتفالاتهم المبهجة والرائعة في  جميع أنحاء العالم. عيد النوروز هو من أقدم الأعياد الطاجيكية التي أذهلت شعوب  العالم بجمالها ونضارتها. يتم الاحتفال بعيد النوروز كل عام

لا يُعدّ تيرغان مجرد عيدٍ موسمي، بل هو رمزٌ لوحدة الإنسان مع الطبيعة، واحترام الماء ونِعَم الحياة. وحتى اليوم يزداد الاهتمام بهذا العيد العريق، لما له من أهمية خاصة في إحياء التقاليد الوطنية والحفاظ عليها.

يُعَدّ تيرغان من الأعياد القديمة لدى الشعوب ذات الأصل الإيراني. وقد اشتُقّ اسمه من كلمة «تير». وفي الثقافة القديمة كان «تير» اسمَ الشهر الرابع واليوم الثالث عشر من كل شهر. وكان الأجداد يعتقدون أن «تير» مرتبطٌ بمَلَك المطر والماء.

وفقاً للروايات القديمة، يرتبط أصل عيد تيرغان بقصة البطل القومي الشهير آرش الرامي. ففي الأزمنة القديمة استمرت الحروب لفترات طويلة بين إيران وتوران. ولإنهاء النزاع تقرر أن يُحدَّد الحدّ الفاصل بين البلدين بسهمٍ يطلقه أمهر الرماة. فصعد آرش إلى قمة جبلٍ عالٍ، ووضع كل قوته وروحه في ذلك السهم. وانطلق السهم من الصباح حتى المساء، ثم سقط على الأرض في مكانٍ بعيد جداً، محدداً الحدود بين البلدين. وبعد ذلك عمّ السلام والاستقرار، واحتفل الناس بهذا اليوم عيداً للفرح والسرور.

وتُعدّ هذه الرواية رمزاً للوطنية والتضحية والصداقة بين الشعوب. ولهذا السبب لا يُنظر إلى تيرغان على أنه عيدٌ للطبيعة فحسب، بل يُعدّ أيضاً عيداً للسلام والتفاهم المتبادل.

من أهم خصائص عيد تيرغان ارتباطه بالماء. ففي المناطق الحارة والجافة كان الماء دائماً يُعدّ مصدر الحياة. وكان أسلاف الطاجيك يقدّسون الماء ويهتمون بالحفاظ عليه ويتخذون تدابير خاصة لصيانته.

وفي يوم تيرغان كان الناس يذهبون إلى ضفاف الأنهار والينابيع والقنوات المائية، وكانوا يرشّون الماء على بعضهم البعض، وكان هذا الفعل رمزاً للنقاء والصحة ووفرة الأمطار. وكانوا يعتقدون أن رشّ الماء يجلب البركة والمحاصيل الوفيرة.

كما كان الناس في هذا اليوم يدعون لنزول المطر وازدهار الأرض بالمياه. وكان الفلاحون يأملون أن تحصل حقولهم بعد هذا العيد على كمية كافية من الماء وتنتج محاصيل جيدة. ولذلك ارتبط عيد تيرغان ارتباطاً وثيقاً بالحياة الزراعية وعمل الناس.

   ‫عادات طاجيكستان - جولات إلى أوزبكستان ...‬‎   ‫لماذا تعارض «طالبان» عيد «النوروز» في ...‬‎

في الماضي كان عيد تيرغان يُحتفل به عبر طقوس ومراسم متنوعة. وكان من أشهر التقاليد رشّ الماء، حيث كان الأطفال والشباب يرشّون الماء على بعضهم البعض، ويشاركون في الأغاني والرقصات والألعاب الشعبية.

ومن التقاليد الأخرى ربط خيطٍ ملوّن ذي سبعة ألوان حول اليد. وكان الناس يربطون هذه الخيوط الملوّنة على أيديهم أو معاصمهم، ثم بعد عدة أيام يتركونها تطير مع الرياح. وكان هذا الفعل يُعدّ رمزاً لابتعاد المصائب وحلول الحظ والسعادة.

وفي بعض المناطق كان الناس يخرجون إلى الطبيعة، ويُعدّون مائدة احتفالية، ويتناولون الفواكه الصيفية والأطعمة الوطنية. كما كان الغناء والموسيقى وعروض الشباب جزءاً مهماً من الاحتفال.

وتُظهر طقوس عيد تيرغان أن أسلاف الطاجيك كانوا يحبون الطبيعة، ويولون أهمية كبيرة لحماية البيئة والاستخدام الرشيد لموارد المياه.

يتمتع عيد تيرغان بأهمية ثقافية وتربوية كبيرة. فهذا العيد يدعو الناس إلى حب الطبيعة واحترام الماء وحماية البيئة. وفي الظروف المعاصرة، حيث أصبحت مشكلة نقص المياه إحدى القضايا العالمية، تزداد أهمية القيم التي يحملها عيد تيرغان.

كما يُربّي هذا العيد الشباب على حب الوطن والاجتهاد في العمل واحترام التراث الأجدادي. وتُعدّ قصة آرش الرامي مثالاً واضحاً للتضحية من أجل الوطن. ولذلك فإن دراسة وإحياء تقاليد تيرغان يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تعزيز الهوية الوطنية.

كما يُعدّ تيرغان رمزاً للتآخي والصداقة بين الناس، حيث إن الاحتفال الجماعي ورشّ الماء وإقامة الفعاليات الثقافية تُعزّز العلاقات الطيبة بين الأفراد.

مع نيل الاستقلال الوطني، ازداد الاهتمام بالثقافة والتقاليد الوطنية في طاجيكستان. وقد أُعيد إحياء الأعياد القديمة، مما أتاح فرصة للتعرّف على تاريخ وحضارة الأمة. كما أصبح عيد تيرغان، بوصفه أحد الأعياد القديمة للطاجيك، موضوعاً للدراسة والترويج.

‫التقاليد في طاجيكستان - جولات إلى ...‬‎   ‫التقاليد في طاجيكستان - جولات إلى ...‬‎

وفي المؤسسات التعليمية والمراكز الثقافية والنوادي العلمية تُنظَّم فعاليات مخصّصة لعيد تيرغان. ويقوم العلماء والباحثون بدراسة تاريخ هذا العيد وشرح أهميته للمجتمع المعاصر.

إن إحياء عيد تيرغان يُسهم في الحفاظ على القيم الوطنية وتعريف الثقافة الطاجيكية على المستوى الدولي. ويُظهر هذا العيد أن الطاجيك يمتلكون تاريخاً عريقاً وثقافة غنية.

في الختام، يُعدّ عيد تيرغان من أقدم وأهم الأعياد لدى الشعب الطاجيكي، وله تاريخ يمتد لآلاف السنين. وهو رمزٌ للماء والحياة والبركة والصداقة والسلام. كما أن أسطورة آرش الرامي، وطقوس رشّ الماء، والتقاليد الأخرى المرتبطة بهذا العيد، تدلّ على الرؤية العميقة والثقافة الغنية لأسلاف الطاجيك.

وفي العصر الحديث، فإن دراسة وإحياء عيد تيرغان له أهمية كبيرة في تعزيز الهوية الوطنية، واحترام الطبيعة، والحفاظ على التراث الثقافي. ولذلك ينبغي على كل مواطن في طاجيكستان أن يتعرّف على تاريخ هذا العيد القديم وأن يساهم في الحفاظ على تقاليده الأصيلة. وسيظل عيد تيرغان دائماً يحتفظ بمكانة خاصة في الحياة الروحية والثقافية للشعب الطاجيكي بوصفه إرثاً ثقافياً ثميناً.

 

* أستاذ بجامعة طاجيكستان القومية

[email protected]

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment