الحوثي استبدل خريطة الطريق الأممية بإسناد غزة ماذا بعد؟

10/17/2025 - 01:13 AM

Bt adv

 

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

رمت جماعة الحوثي خارطة الطريق الأممية الصادرة في أواخر ديسمبر 2023 خلف ظهرها، وشغلت اليمنيين بإسناد غزة بديلًا عن السلام في اليمن، وبالفعل نجح الحوثي في استثمار عاطفة اليمنيين تجاه غزة، وجعلهم يتناسون تحقيق السلام في اليمن، وكأن غزة أتتهم مرغمة لتنقذهم من استحقاق السلام وجعله استحقاق مؤجل.

أطال أمد الأزمة في اليمن حصول الحوثي على أسلحة مهربة من الخارج، بالرغم من الحظر الأممي المفروض على اليمن رقم القرار 2216 في 14 أبريل 2015، بسبب أن اليمن يمتلك شريط ساحلي كبير على البحرين الأحمر والعربي والمحيط الهندي وخليج عدن، هذه السواحل الطويلة من الصعب مراقبتها بشكل دقيق، إذ تبلغ أطوالها نحو 2500 كيلو متر 770 كيلو متر على الساحل الغربي، ونحو 1482 كيلو متر على الساحل الجنوبي، فيما يبلغ إجمالي طول حدود اليمن البرية نحو 1601 كيلو متر.

وكانت إيران تستخدم جزرا عمانية في محافظة ظفار الحدودية كمخازن أسلحة، كما تمتلك إيران مخازن أسلحة في جزر دهلك الأرتيرية هذا في عام 2016، ويعمل تجار الأسلحة على قدم وساق لإيصال الأسلحة للحوثي من البرازيل بل وينشطون في تهريب الأسلحة إلى القرن الأفريقي كمنطقة صراع أخرى الصومال والسودان واوغندا وغيرها، ومصدر هذه الأسلحة من البرازيل وأمريكا اللاتينية.

استطاعت مؤخرا المقاومة الوطنية اليمينة بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح بالتعاون مع الاستخبارات الإقليمية والأميركية بإحباط شحنة ضخمة من الأسلحة الإيرانية التي كانت متجهة لمليشيات الحوثي، وهي أكبر عملية ضبط لأسلحة إيرانية تقليدية متطورة في تاريخهم، تقدر ب750 طنا من الذخائر والمعدات، بما في ذلك مئات الصواريخ المتقدمة من نوع كروز، وصواريخ مضادة للسفن، وصواريخ مضادة للطائرات، والرؤوس الحربية، وأنظمة التوجيه، ومكونات مختلفة، بالإضافة إلى مئات محركات الطائرات المسيرة، ومعدات الدفاع الجوي، وأنظمة رادار، ومعدات الاتصالات، وكانت المقاومة الوطنية اعترضت منذ نوفمبر 2019 وحتى يوليو 2025 نحو 16 شحنة متجهة للحوثيين، بينها 7 شحنات أسلحة وشحنتي مخدرات و4 شحنات أسمدة تدخل في صناعة المتفجرات، وتوصل فريق التحقيق مع طاقم السفينة وعددهم 7 بحارة كشف أنهم سبق أن هربوا 12 شحنة من إيران للحوثيين وأنهم يعملون ضمن 8 مجموعات وكل مجموعة نفذت من 8-10 عمليات تهريب للحوثيين.

سبق أن ضبطت اسطول البحرية الأميركية في 11 يناير 2024 شحنة قبالة الصومال تسببت في مقتل اثنين من قوات النخبة في البحرية الأمريكية، وأكد أحد المتحدثين الأميركيين إلى أن هناك أكثر من 100 زورق يتحرك في هذه المنطقة ومن المستحيل أن تعترض قوات البحرية الأمريكية كل زورق صغير، فهي تود من الحلفاء الإقليميين على إيجاد بدائل ممكنة مثل تدريب وتسليح قوات حرس السواحل اليمنية التابعة للحكومة الشرعية، ومساعدة السلطات العمانية على ضبط التهريب البري، وتستخدم إيران عصابات صومالية لإيصال الأسلحة إلى الحوثيين، انفلات الأوضاع لسنوات طويلة في الصومال ساهم في صعود حركة القراصنة الصوماليين خلال العقود الماضية.

بعد اتفاق شرم الشيخ في 9 أكتوبر 2025 لوقف إطلاق النار في غزة، يبحث الحوثي عن بديل لإسناد غزة يشاغل فيه اليمنيون، خصوصا وأنه يهرب من استحقاق السلام، وتعتبر خارطة الطريق الأممية في ديسمبر 2023 قنبلة موقوتة والهدن الجارية هشة، خصوصا مع تجفيف منابع التمويل والتسليح يربك الحوثي ويضعه في دائرة ضيقة يمنح جميع الأطراف، ليس فقط الحوثي بل حتى الأطراف اليمنية الأخرى فرصة لإعادة ترتيب أوراقهم السياسية والعسكرية قبل جولة جديدة من التصعيد، خصوصا إذا استمر الحوثي مواليا لإيران أو يستمر في استهداف المصالح الإقليمية، ويتذكر الجميع أن التدخل العسكري في اليمن لتدمير الأسلحة الثقيلة والصواريخ البالستية التي تشكل تهديدا للسعودية وبعد تحقيق تلك الأهداف أعلنت السعودية عن نهاية عاصفة الحزم في 21 أبريل 2015 ولا ترغب السعودية في استمرار التصعيد بل هدفها إرساء السلام، وترى أنه صراع الحوثي مع إسرائيل وتهديد أمن الممرات البحرية وسبق أن منع الغرب دول التحالف من تحرير الحديدة من أجل لا يخسر الغرب مفاوضاته مع إيران حول الاتفاق النووي.

يبدو أن استثمار الحوثي لموسم مأساة غزة قد انتهى، وهناك توقعات يسعي الحوثي لإقحام البلاد في صراع جديد، خصوصا بعدما بدأت حالة من الارتباك والتوجس من المرحلة المقبلة وسط سعيها لإيجاد مبررات جديدة لاستمرار التصعيد العسكري في البحر الأحمر عندما أسماه عبد الملك الحوثي بجولات إسرائيلية جديدة بعد الاتفاق، وقال ما إذا كانت الاعتداءات الإسرائيلية على المنطقة ستتوقف أو تستمر، فسرت بأنها تمهيد لمرحلة جديدة من التصعيد، وربما لاستخدام التهدئة في غزة ذريعة لإشعال جبهة أخرى، من أجل تجنب مواجهة الغضب الشعبي المتصاعد في مناطق سيطرتها نتيجة تفاقم الأزمة المعيشية وتوقف المساعدات الإنسانية، وقبل عامين كانت تواجه الجماعة حركة احتاج منذ انقلابها على الحكومة الشرعية في نهاية 2014 عندما قاد نادي المعلمين والنقابات الموازية مظاهرات مطالبة بصرف الرواتب وتحسين الأوضاع المعيشية، فاندلاع الحرب في غزة كانت طوق نجاة للحوثي.

دائما الحوثي يهرب من استحقاقات السلام ويصعد قبيل انطلاق أي مشاورات يمنية يمنية، كما في 29 مارس 2022، ويطالب بدلا من المشاورات اليمنية - اليمنية بمفاوضات مباشرة مع السعودية كطرف مقابل، لكن السعودية ترفض المفاوضات المباشرة مع الحوثي بمنأى عن الحكومة الشرعية.

للأسف هناك تناغم بين خطاب الحوثي وخطاب بعض المسؤولين الإيرانيين الذين أشاروا إلى ان نهاية الحرب في غزة سيعني نقل التوتر إلى مكان آخر أي إلى اليمن ولبنان والعراق، وبالفعل يستعد الحوثي لأداء دور جديد في المنطقة نيابة عن إيران، وفي نفس الوقت لا يزال الحوثي يوظف الأزمات الخارجية لخدمة بقاء الجماعة في الداخل، خصوصا وأنها برعت ونجحت في استخدام لغة العداء لإسرائيل لتصفية خصومها ووصم أي صوت معارض بالخيانة والعمالة.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا

    [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment