قراءة نقدية في المسار السياسي المصري من يوليو 1952 حتى اليوم

10/16/2025 - 11:47 AM

Your Ad Here

 

 

بقلم: حمدي عفت

 

منذ أن انطلقت ثورة يوليو 1952 بقيادة الضباط الأحرار، دخلت مصر مرحلة جديدة من تاريخها الحديث، مرحلة حافلة بالطموحات، والتناقضات، والأحلام الكبرى التي اصطدمت بواقعٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ شديد التعقيد.

وقد كانت الثورة، في لحظتها الأولى، استجابةً صادقةً لاحتياجٍ شعبيٍّ عميقٍ إلى الكرامة، والعدالة الاجتماعية، والتحرّر من هيمنة الاستعمار والنفوذ الملكي الفاسد. لكنّ ما بدأ حركةً إصلاحية طموحة تحوّل تدريجيًا إلى نظام سلطويٍّ شديد المركزية، يختزل الوطن في شخص الزعيم، ويقيس الوطنية بمدى الولاء له.

محمد نجيب وعبد الناصر: البدايات والمفارقات

كان اللواء محمد نجيب أول من منح الثورة وجهًا إنسانيًا متواضعًا، إذ رأى أن الثورة يجب أن تُعيد السلطة إلى الشعب. لكنّ التيار الأقوى داخل مجلس القيادة – المتمثل في جمال عبد الناصر – كان يفضّل نموذج الدولة المركزية التي تحتكر السياسة باسم «الشرعية الثورية».

أُقصي نجيب، وصعد عبد الناصر، لتبدأ حقبة التوجه الاشتراكي وبناء الدولة الحديثة من أعلى، لا من القاعدة. حقق عبد الناصر إنجازات ضخمة في مجالات الصناعة والتعليم والإصلاح الزراعي، غير أن تلك السياسات رافقها غياب للحريات، واعتقال للمعارضين، وهيمنة كاملة لجهاز الدولة على المجتمع. فكانت مصر الحديثة تُبنى، ولكن المواطن يُختزل في شعارات التعبئة.

من الهزيمة إلى الانفتاح

جاءت هزيمة يونيو 1967 صدمة كبرى هزّت شرعية النظام، لكنها لم تسقطه، بل أعادت تشكيله على نحو أكثر براغماتية. ثم جاء أنور السادات ليرفع شعار «دولة العلم والإيمان» ويفتح الاقتصاد تحت راية «الانفتاح»، إلا أن هذا الانفتاح لم يكن إصلاحًا حقيقيًا، بل بابًا واسعًا للفساد والثراء السريع، وتحالف رأس المال بالسلطة. ورغم أن حرب أكتوبر 1973 أعادت لمصر جزءًا من كرامتها العسكرية، فإنها لم تُترجم إلى إصلاح سياسي حقيقي، بل كانت جسرًا للانقلاب الاقتصادي والاجتماعي الذي تكرّس في العقود التالية.

عهد مبارك: الثبات على حافة الجمود

جاء حسني مبارك ليقدّم نفسه باعتباره حارس الاستقرار. فظلّ النظام قائمًا على معادلة الأمن مقابل الصمت، والتنمية الشكلية مقابل غياب العدالة. تراكمت طبقة بيروقراطية متضخمة، ونُزعت السياسة من المجتمع، وأُفرغت الأحزاب من معناها، بينما كانت السلطة تُعيد إنتاج نفسها عبر انتخابات محسوبة بدقّة. في هذا السياق، كان الفساد جزءًا بنيويًا في الدولة، لا انحرافًا عرضيًا.

ثورة يناير وما بعدها

حين انفجرت ثورة يناير 2011، بدت كأنها استعادة متأخرة لروح 1952 الأولى: العدالة، الكرامة، الحرية. لكنّ غياب البنية السياسية، وتنازع القوى المدنية والدينية، وافتقار القيادة الواضحة، جعل الثورة تُختطف من داخلها وتُفرغ من مضمونها.

عاد الحكم العسكري مجددًا في صورة أكثر صلابة وأشد إحكامًا، فتمّ تأميم المجال العام، وغابت المعارضة الحقيقية، بينما توسّعت الدولة في السيطرة الاقتصادية تحت شعارات التنمية والاستقرار.

قراءة تحليلية

إنّ المسار السياسي المصري، منذ يوليو 1952 حتى اليوم، يتأرجح بين حلم الدولة العادلة ومأزق الدولة الأمنية.

لم يُتح للمجتمع المدني أن ينمو نموًا طبيعيًا، ولم يُسمح للتعددية أن تتجذر.

كل مشروع وطني وُلد في رحم السلطة، وكل إصلاح اجتماعي ظلّ مشروطًا ببقاء الحاكم لا ببقاء الوطن.

لقد كان الخلل – في جوهره – غياب التوازن بين الدولة والمجتمع، بين القوة والحرية، بين الزعامة والمؤسسة.

فلا نهضة بلا مؤسسات، ولا كرامة بلا حرية، ولا أمن بلا عدالة.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment