كيف تتحدى معاهدة الشراكة بين روسيا وإيران سياسة ترامب الخارجية،
وتعيد تشكيل ديناميات الشرق الأوسط، وتختبر نفوذ الولايات المتحدة في عالم متعدد الأقطاب؟
بقلم: شربل عبد الله أنطون
معاهدة "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" بين روسيا وإيران، الموقعة في يناير /كانون الثاني 2025 والتي دخلت حيّز التنفيذ أوائل شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تُشكِّل محطة مفصلية في العلاقات الثنائية بين البلدين والجغرافيا السياسية الإقليمية. وقد احتفت بها كل من موسكو وطهران باعتبارها علامة مميزة على تعميق التعاون في مجالات الدفاع، والاقتصاد، والطاقة، والتكنولوجيا. وتُشير المعاهدة -برأي داعميها- إلى إعادة تعديل موازين القوى في عالم متعدد الأقطاب. ومع ذلك، تكمن وراء هذا الاحتفاء الدبلوماسي شراكةٌ مُعقدة تُوسّع مجالات التعاون بين البلدين لكنها تحافظ في الوقت نفسه على حدود دقيقة، مما يطرح تحديات وفرصاً جديدة أمام السياسة الأميركية في عهد الرئيس ترامب.
توسيع التعاون لا التحالف
تُعزز مواد المعاهدة السبع والأربعون التعاون بين موسكو وطهران في مجالات واسعة: التدريب العسكري، المناورات المشتركة، مكافحة الإرهاب، ومشاريع الطاقة، والتجارة بالعملات الوطنية، والتعاون النووي السلمي، والأمن السيبراني، والدبلوماسية متعددة الأطراف. والأهم أن المعاهدة ترفض العقوبات الدولية بشكل صريح، وتتعهد بحماية الطرفين من الضغوط الخارجية، وترسيخ المرونة الاقتصادية بينهما.
مع ذلك، تتجنب المعاهدة بحذر إقامة تحالف دفاعي متبادل بين موسكو وطهران، وهو موقف تتمسك به روسيا بشدة لتفادي التورط في صراعات إيران الإقليمية الشائكة، لا سيما في ظل التوازن الدقيق الذي تُقيمه موسكو في علاقاتها مع إسرائيل ودول الخليج العربية. بغياب التحالف الدفاعي المشترك تصبح المعاهدة ذات طابع تبادلي فقط: فهي دقيقة في اختيار مجالات التعاون، لكنها حذرة في فرض التزامات قد تُورّط أحد الطرفين في مواجهات عسكرية مباشرة قد تسببها سياسة الطرف الآخر.
التأثير على الولايات المتحدة وترامب
بالنسبة لواشنطن وإدارة ترامب، تُعقّد المعاهدة المشهد على أكثر من جبهة؛ فحملة "الضغط الأقصى" الرامية إلى عزل إيران اقتصادياً تواجه تحدياً كبيراً، وربما انتكاسة، جراء توفير روسيا قنوات حيوية لتجاوز النظام الإيراني العقوبات الأميركية، والحفاظ على صادرات طهران من الطاقة. كما أن التعاون العسكري والاستخباراتي المتنامي بين موسكو وطهران يزيد من تعقيد إدارة واشنطن للأزمات في سوريا والعراق وسواهما، ويعزز جبهة أكثر تماسكا في مواجهة المبادرات الأميركية.
إلى جانب ذلك، تحمل هذه الشراكة رسالة جيوسياسية قوية، وهي محاولة موسكو وطهران ترسيخ مقاومة متعددة الأقطاب للهيمنة الأميركية. ومن خلال تأطير التحالف ضمن منتديات عالمية مثل مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، ترفض الدولتان التفرد الأميركي وتروّجان لنموذج بديل للنظام العالمي بقيادة واشنطن، ما يتحدّى طموح ترامب في تكريس الريادة الأميركية العالمية.
ومع ذلك، فالقيود الموجودة في المعاهدة بطلب روسي– مثل غياب بند الدفاع المشترك – تُتيح لواشنطن مجالاً للمناورة: كالانخراط مع روسيا بشكل منفصل لحل ملفات خلافية، واستغلال التباينات بين موسكو وطهران، وتعزيز التحالفات مع خصوم إقليميين كالسعودية وإسرائيل. فهذه الشقوق في الشراكة بين موسكو وطهران تتيح فرصاً تكتيكية لواشنطن رغم التحدي الأوسع الذي تُمثله المعاهدة.
ميل إيران المتسارع نحو الصين
يزيد من تعقيد المعادلة تنامي توجه إيران نحو الصين طلباً للدعم العسكري والاقتصادي. فالإحباط الإيراني من بطء روسيا في تسليم أنظمة دفاع جوي ومقاتلات خلال المواجهات الأخيرة مع إسرائيل، دفع طهران إلى تكثيف انفتاحها على بكين، حيث تعمل على شراء بطاريات صواريخ صينية متطورة من طراز HQ-9B والتفاوض على شراء طائرات مقاتلة من طراز J-10C لتحديث سلاح إيران الجوّي، وهي عروض تُلبّيها الصين تدريجياً.
في الوقت نفسه، تطوّر إيران والصين ممرات اقتصادية جديدة عبر آسيا الوسطى تتجاوز الاختناقات الروسية، مما يُرسّخ دور الصين كشريك لا غنى عنه لإيران في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية. ومع ذلك، تمارس بكين حذراً استراتيجياً لتجنب استفزاز دول الخليج العربية أو الولايات المتحدة، للموازنة بين مصالحها الاقتصادية والمخاطر الجيوسياسية.
الرسالة إلى ترامب والولايات المتحدة
من خلال إضفاء الطابع الرسمي الآن على شراكتهما الشاملة، تبعث روسيا وإيران برسالة تحذير واضحة إلى إدارة ترامب والنظام الدولي بقيادة واشنطن. فالمعاهدة تعلن صمود النظامين الروسي والإيراني أمام محاولات العزل الغربية، وتؤكد قدرتهما على العمل خارج نطاق السيطرة الأميركية. كما إنها ترمز إلى قيام محور عازم على الحفاظ على النفوذ ومواجهة السياسات الأميركية في الشرق الأوسط وخارجه. ومع ذلك، تبقى هذه الشراكة "زواج مصلحة" متجذرة في المكاسب الاستراتيجية المتبادلة أكثر منها تحالفاً أيديولوجياً أو وحدة غير مشروطة بين البلدين. فرفض موسكو الالتزام العسكري الكامل مع إيران، وسعي طهران إلى شراكات إضافية مع الصين، يكشفان الطابع التبادلي والحسابي للعلاقة بينهما. بالنسبة لترامب، تعقّد المعاهدة استراتيجيته القائمة على "الضغط الأقصى" على النظام الإيراني، لكنها في الوقت نفسه تُقدّم معارضة مُشتتة بحدود قابلة للاستغلال.
باختصار، تُمثل الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين روسيا وإيران تحولاً جيوسياسياً ذا تداعيات عميقة. فهي تعزز قدرة البلدين على مقاومة العقوبات الأميركية والتأثير في سياسات المنطقة، وتؤشر إلى بروز نظام عالمي متعدد الأقطاب لمنافسة الهيمنة الأميركية. لكنها لا ترقى إلى مستوى التحالف العسكري الكامل الذي من شأنه أن يربط موسكو وطهران بشكل لا رجعة فيه.
تُشكل المعاهدة بين روسيا وإيران تحدياً للولايات المتحدة والرئيس ترامب لإعادة تقييم الاستراتيجيات الدبلوماسية والعسكرية في شرق أوسط يزداد تعقيداً وتنافسية، بحثاً عن فرص داخل شقوق هذا المحور المتماسك، وإن كان حذراً.













10/15/2025 - 23:18 PM





Comments