البرنامج الفضائي: عندما كانت السماء هدفاً لبنانياً لا حلماً مستحيلاً

10/15/2025 - 00:10 AM

Atlantic home care

 

 

بقلم: لبنى عويضة …

 

على سفح تلة مطلة على ساحل الديبة، اجتمع طلاب جامعة صغيرة يحملون في وجوههم الحماس والأمل، يراقبون جسماً معدنياً يستعد لملامسة السماء. لم يكن هناك جيش ولا مؤسسة فضائية، بل بضعة شبان وأستاذ في الرياضيات والفيزياء يدعى مانوغ مانوكيان، مؤسس للنادي اللبناني للصواريخ لاحقاً، مؤمن أن المعرفة قادرة على التحليق فعلاً.

في صيف 1962، انطلق صاروخ Cedar 1 (أرز 1) وبلغ ارتفاعه أكثر من 11 كيلومتراً، مخلفاً وراءه دخاناً أبيض ودهشة لم يسبق أن عاشها لبنان. هذا الارتفاع وضع لبنان على خريطة الدول التي اختبرت الصواريخ قبل أن تمتلك معظم الدول العربية برامج مماثلة، فكانت ولادة ما عرف لاحقاً باسم جمعية الصواريخ اللبنانية.

صواريخ الجامعة: من الحلم إلى الواقع

بدأت القصة عام 1960 حين قرر منوكيان، أستاذ شاب من أصول أرمنية، إنشاء نادي لتجارب الدفع الصاروخي داخل حرم الجامعة. وما بدأ كمشروع أكاديمي بسيط تحول إلى إنجاز علمي غير مسبوق في المنطقة. صمم الفريق سلسلة من الصواريخ باسم Cedar أو أرز، تبنى بوسائل بسيطة وبدفع صلب محلي الصنع في ورش جامعية محدودة المعدات.

كانت Cedar 1 أولى التجارب الكبرى، ثم تلتها Cedar 2 و Cedar 3، المزودة بأجهزة قياس وتجارب علمية. وفي بعض التقارير، وصلت نماذج محدودة إلى ارتفاعات قاربت حدود الفضاء الأدنى.

حلم جامعي يتحول إلى فخر وطني

تصدرت صور الإطلاق عناوين الصحف المحلية والدولية، واستقبل الرئيس فؤاد شهاب الفريق وقدم دعماً مالياً محدوداً، بينما تولى الجيش اللبناني تأمين الإطلاقات ومراقبة السلامة. بدا لبنان الصغير وكأنه يعيش حلمه العلمي الكبير. لكن النجاح أثار قلقاً دولياً: هل سيتحول المشروع الأكاديمي إلى برنامج صاروخي عسكري؟ في زمن كانت فيه سباقات التسلح والفضاء مشحونة سياسياً، دخل لبنان منطقة رمادية، مُحرجاً دولياً، ومهدداً بفرض قيود على مشروعه.

صواريخ لبنان والضغوط الدولية

بحسب تحقيق VICE، تابعت أجهزة استخبارات أجنبية الانطلاقات الأولى، وأصدرت تحذيرات سياسية بأن استمرار المشروع قد يُعتبر تهديداً أمنياً. في تلك الحقبة، ومع حروب عربية-إسرائيلية متتالية وتوترات إقليمية، صار كل تطور تكنولوجي مرتبط بالصواريخ تحت مراقبة دقيقة.

لذا تزايدت الضغوط على المشروع من كل الجهات: من الخارج، وجّهت دعوات للرقابة والتوقف خشية أن يُستخدم العلم لأغراض عسكرية، ومن الداخل، بدأ التمويل يتراجع، وذهب الإيمان بالدعم، ما ترك المشاريع البحثية بلا حماية ودفعها إلى التوقف التدريجي. في هذا المناخ، تحول المشروع من حلم علمي إلى تجربة محاصرة سياسياً، فلبنان ممنوع أن ينهض في مجالات حساسة، ليس فقط بسبب الفقر أو الحرب، بل خوفاً من أن يرتقي ويشكل تهديداً لمن حوله.

الحوادث والضغوط

في عام 1964، أصيب عدد من الطلاب بجروح نتيجة انفجار أثناء اختبار صاروخ، ما شكّل نقطة تحوّل. بدأت الضغوط تُمارس على الحكومة لوقف المشروع، خوفاً من أن يتحول إلى مغامرة غير محسوبة في منطقة متوترة. رغم محاولات استمرار العمل، تراجع الدعم تدريجياً، وكان آخر إطلاق موثّق عام 1966، لتصمت السماء وتحول تجربة “جمعية الصواريخ اللبنانية” إلى هامش في الذاكرة الوطنية.

ما لم يُروَ عن “أرز لبنان”

كانت التجارب الأولى لمسافات قصيرة لا تتجاوز 300–600 متر بإشراف النقيب يوسف وهبة، قبل أن تتطور إلى صواريخ متعددة المراحل مثل “أرز 2-A”، “أرز 3”، و”أرز 4”.

وفي عام 1966، أُطلق أرز 8، الذي قيل إنه تجاوز الغلاف الجوي ولامس ارتفاع 100 كيلومتر، وتشير بعض التقارير إلى بلوغه مداراً يناهز 400 كيلومتر، وسقط في المياه القبرصية بمحاذاة سفينة بريطانية، ما أثار احتجاجاً دبلوماسياً.

تابعت الاستخبارات السوفيتية والأميركية المشروع عن كثب، وجهّت إسرائيل تحذيرات صريحة للحكومة اللبنانية، في حين حاولت أطراف عربية وسوفيتية تحويل المشروع إلى برنامج تسليحي، لكن مانوكيان رفض قائلاً: “العلم يجب أن يبقى للإنسان، لا للحرب.”

مع تصاعد الصراعات الإقليمية في الستينات، تراجعت الدولة عن دعم المشروع، فتنهدت السماء، وذابت أحلام الشباب الذين حلموا بحمل لبنان إلى الفضاء. لم يُدفن المشروع لأنه فشل، بل لأن نجاحه أخاف العالم.

عقول حلّقت ثم نُسيت

غادر مانوكيان لبنان إلى الولايات المتحدة لمواصلة مسيرته الأكاديمية، وتفرق طلابه بين مهن مختلفة، لكن إرثهم بقي في الصور والأرشيفات، وفي فيلم وثائقي أُنتج عام 2012 بعنوان The Lebanese Rocket Society، أعاد إحياء تلك المرحلة المدهشة من تاريخ لبنان العلمي.

كانت قصة بلد آمن بالعلم يوماً، وقرّر توجيه طاقته نحو السماء لا نحو الانقسام.

قصة تثبت أن الإبداع يحتاج فقط إلى إيمان وحرية، وأن شباباً جامعيين من لبنان قادرون على كتابة فصل من تاريخ الفضاء.

لماذا نستذكرهم اليوم؟

لأننا بحاجة إلى استعادة ما سُلب من وعينا.

حين يغرق لبنان اليوم في الأزمات، تبدو قصة “الصواريخ اللبنانية” أكثر من حنين للماضي؛ إنها تذكير بإمكانات هذا البلد لتجاوز الجغرافيا والسياسة، لو أُتيح لها النمو.

أطلق هؤلاء الطلاب صاروخاً نحو السماء، لكن ما أرادوه حقاً هو رفع كرامة المعرفة، وهذا ما يحتاجه لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى.

حتى لو بدا الحلم اليوم خيالاً، فهو حقيقة تذكّرنا أن وطننا كان يوماً يزرع العلم، لا الخوف، ويصنع الصواريخ، لا الأزمات.

 

* نشر المقال ايضا في جريدة الرقيب الالكترونية

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment