غياب لبنان عن قمة شرم الشيخ: تهميش مقصود أم فصل مسارات؟

10/13/2025 - 06:24 AM

Your Ad Here

 

كتب جورج ديب

 

في زمن تُرسم فيه خرائط جديدة للسلام، وتُعقد فيه قمم دولية لتحديد مصير الشعوب، يُفاجأ اللبنانيون بتغييب وطنهم عن قمة شرم الشيخ للسلام، التي تجمع أكثر من عشرين دولة عربية وغربية برئاسة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأميركي دونالد ترامب. لم تُوجَّه دعوة رسمية إلى لبنان، وكأن بيروت لم تكن يوماً في قلب المعادلة، وكأن الجنوب لم يكن ساحة اشتباك إقليمي لعقود، وكأن دماء أبنائنا لم تُسفك دفاعاً عن السيادة والكرامة.

إن غياب لبنان عن قمة تحمل عنوان "السلام" ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل هو إنذار سياسي خطير. فحين يُستبعد بلدٌ دفع أثماناً باهظة في الحروب والتهدئات، وتحمّل تبعات الصراع العربي – الإسرائيلي، فإن ذلك يعني أن هناك من يسعى لفصل مسار لبنان عن مسار الحلول، أو لتهميش دوره الإقليمي، أو لتركه رهينة التجاذبات دون ضمانات.

بيروت، التي كانت منارة الحوار، لا تُقصى. والجنوب، الذي صمد في وجه العدوان، لا يُنسى. وإذا كانت التسويات تُصاغ في الغرف المغلقة، فإن لبنان يجب أن يكون حاضراً، لا متلقياً. فالدولة اللبنانية، بكل مؤسساتها، مدعوة اليوم إلى اتخاذ موقف واضح: لا سلام يُبنى من دون لبنان، ولا استقرار يُرسّخ من دون ضمان سيادته، ولا اتفاق يُبرم من دون احترام خصوصيته السياسية والأمنية.

إننا في بيروت تايمز، إذ نُعبّر عن استغرابنا من تغييب لبنان عن قمة شرم الشيخ، نُطالب الحكومة اللبنانية بإصدار موقف رسمي يرفض هذا التهميش، ويؤكد على حق لبنان في أن يكون طرفاً أساسياً في أي مسار سلام إقليمي. كما ندعو القوى السياسية إلى تجاوز خلافاتها الداخلية، وتوحيد الصوت الوطني في وجه محاولات العزل أو الإضعاف.

لبنان ليس هامشاً في التاريخ، بل هو قلبه النابض. وإذا كان العالم يبحث عن سلام، فليبدأ من بيروت، حيث الكلمة الحرة، والدم الذي لم يُساوم، والكرامة التي لا تُشترى.

الغياب اللبناني عن قمة تحمل عنوان "السلام" أثار تساؤلات حادة في الداخل اللبناني: هل أصبح لبنان خارج دائرة الحلول السياسية المقبلة؟ وهل يُفهم من ذلك أن ملفه بات منفصلاً كليًا عن ملف غزة في الحسابات الدولية؟ أم أن هناك توجّهًا لتهميش دوره الإقليمي وتركه على هامش القرارات المصيرية؟

النائب نديم الجميّل علّق على الأمر قائلاً: "كان يفترض أن يكون وجود لبنان أساسيًا في شرم الشيخ. يُقال إننا لم نتلقَّ دعوة، لكن من هنا تبدأ مسؤولية الدولة، أن تسعى وتتحرك لتكون حاضرة. فالحضور لا يُمنح بالدعوات، بل يُنتزع بالفعل، بالموقف، وبالدور".

في المقابل، حاولت مصادر دبلوماسية التخفيف من وقع الغياب، مشيرة إلى أن "عدم توجيه الدعوة للبنان لا يعني بالضرورة عزله، إذ لم تُدعَ أيضاً دول مثل سوريا والعراق وعدد من دول الخليج". لكنها أقرت بأن "المشكلة الأساسية القائمة بين لبنان وإسرائيل تجعل مشاركته في مثل هذه القمة معقدة في هذا التوقيت".

مراقبون لبنانيون حذروا من أن غياب لبنان عن قمة بهذا الحجم قد يكون مؤشراً خطيراً على محاولات تهميش دوره الإقليمي، خصوصاً في ظل الحديث المتزايد عن تطبيق نموذج "اتفاق غزة" في لبنان. ويخشى البعض أن يؤدي هذا التهميش إلى ترك لبنان في حالة "ستاتيكو" سياسي وأمني، ما يفتح الباب أمام تصعيد داخلي أو خارجي، في ظل غياب الضمانات الدولية.

الوزير السابق فارس بويز اعتبر في تصريح لموقع "وردنا" أن "عدم دعوة لبنان قد يكون رسالة بعدم رضى الولايات المتحدة عن بطء الحكومة اللبنانية في اتخاذ إجراءات حاسمة، خصوصاً في ملف حصر السلاح"، مشيراً إلى أن "قضية لبنان أكثر تعقيداً من غزة، بسبب ارتباطها الوثيق بإيران".

التحليلات السياسية تشير إلى أن غياب لبنان عن القمة قد يكون جزءاً من استراتيجية دولية لفصل المسارات، بحيث يُعالج ملف غزة بمعزل عن لبنان، ما يضع بيروت أمام تحديات إضافية. فبينما تُرسم خرائط جديدة للسلام في المنطقة، يبقى لبنان على مقاعد الانتظار، يراقب من بعيد قطار التسويات وهو ينطلق من دونه.

مصادر سياسية لبنانية رفيعة المستوى عبّرت لـ"بيروت تايمز" عن قلقها من أن "تُستخدم ورقة الجنوب اللبناني كورقة تفاوض لاحقة، بعد تثبيت التهدئة في غزة"، محذّرة من أن "أي تغييب للبنان عن طاولة الحلول سيؤدي إلى نتائج كارثية على استقراره السياسي والأمني".

في ضوء هذا الغياب المقلق، تقترح "بيروت تايمز" أن تبادر الحكومة اللبنانية إلى إصدار موقف رسمي يعكس استياءها من تغييبها عن قمة شرم الشيخ، ويؤكد على ما يلي:

• تمسك لبنان بحقه في أن يكون طرفاً أساسياً في أي مسار سلام إقليمي.
• رفض أي محاولة لفصل المسارات أو تهميش الدور اللبناني في المعادلات الدولية.
• دعوة المجتمع الدولي إلى احترام خصوصية الوضع اللبناني وتعقيداته، وعدم فرض حلول خارجية لا تراعي توازناته الداخلية.
• التأكيد على أن أي تسوية في المنطقة لا يمكن أن تكون مكتملة من دون معالجة عادلة وشاملة للملف اللبناني، بما في ذلك قضية الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية، وملف اللاجئين، وضمان السيادة الكاملة للدولة اللبنانية.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment