لشَّرٍّ ما ضحكت إيزابيل الليندي و اشترت ثوب عرسها من دمشق

10/13/2025 - 05:04 AM

Your Ad Here

 

 

 

د. خالد زغريت

 

 يحكى أن أعرابياً وجد مرآة، وكان قبيح الصورة، فنظر فيها، فرأى وجهه فاستقبحه، و رمى بها وقال لشر ما طرحك أهلك.

 أستذكر حكاية هذا الأعرابي كلما تأملت طريقة طائفة من الأدباء مع من يأبى الخضوع لاستبداد منهجهم الفكري (الأنوي) الذي يزداد سعيراً كلما همشه الواقع، فمنذ أن تعرّف الكاتب العربي على جنس كتابة السيرة الذاتية وهو يراوح في تدبيجها بين منهجين منهج ورد إلينا في زحمة استيرادنا لكل شيء من الآخر، وهو منهج يقوم على تقديم نفسه بثيابه الداخلية مفرطاً في تبذير الإثارة وحرارة الخصوصيات، وتعرية ما خلف الستائر بعيداً عن لباقة فن السرد.

 أما المنهج الآخر نسخة واحدة لا يتغير فيها إلا الاسم في أعلاها، حيث تنحصر السيرة بسرد عبقرية الكاتب في مراحله الأولى واجتهاده المّتقد وفضاء بطولاته النبيلة المرفقة دائماً بتأكيد تواضعه الجم الذي يدفعه إلى العيش في الظل بعدما فتح روما، فلم تخرج السيرة لدينا عن هاتين الصورتين

 يبدو أن للكاتبة العالمية سالي بلاند خبرة عتيدة بما نضمر فهي توغر غمزاً في نصيحتها لنا وهي تقدم دراسة في كتاب (باولا) السيرة الذاتية" لإيزابيل الليندي" فهي تقول : في الشرق يعرف الكثيرون بعض الأمور عن حياة إيزابيل الليندي إنها حفيدة الرئيس التشيلي الأسبق "سلفادور الليندي"، وإنها تعيش راهناً في أمريكا، وكانت قد عاشت لثلاث سنوات في بيروت، وأنها اشترت القماش الذي خاطت منه ثوب عرسها من دمشق. وهنا أقول لكم: إن قراء الليندي الشرق أوسطيين سوف يستمتعون كثيراً بقراءة تعليقات إيزابيل الطفلة عن لبنان أواخر الخمسينات.

 في الحقيقة أن دعوة سالي بلاند مقلوبة عليها، لأننا لو قرأنا ما كتبته إيزابيل بحجة أننا" في حاجة إلى مسافة ما عن هويتنا لنراها بوضوح أكثر" فسوف نقول: إذا ما خالفت تفكيرنا : لشر ما طرحت إيزابيل آراءها… لكن عسى أن نقوى على تأميم بهجتنا لدى اكتشافنا المنهج الإبداعي الجديد عند إيزابيل التي ترى أنها كاتبة وسيط وليست مبدعة مصرحة بذلك :(كتبت من دون جهد وبلا تفكير، لأن جدتي البصيرة كانت تملي عليّ ما أكتبه، وتشير إيزابيل إلى تحولها إلى كاتبة رواية، وهي المذيعة والصحفية المرموقة بطريقة الإيماء لا بطريقة التعيين لتنأى بنفسها ككاتبة عن احتكار سلطان العبقرية، و كونها صاحبة حكم التميّز الحلال.

 ترى إيزابيل أن جدها كان المحرض حيث رغب إليها بأن تكون قربه أثناء احتضاره لكنّ لجوئها السياسي إلى فنزويلا حال دون ذلك، ولما أرادت أن تبّر بوعدها انتحلت طريقة تخفف من حكمها بالإثم المؤبد (حيث لما تلقت رسالة تخبرها أن جدها على وشك الموت، وبما أنها لم تستطع رؤيته بدأت بكتابة رسالة إليه، واتسعت تلك الرسالة لتصبح كتاباً هو ( بيت الأشباح ) وتضيف سالي بلاند ناقلة لنا قول إيزابيل: ( أردت أن أقول له لا تنزعج لا شيء سيضيع من كنز الحكايات الذي رويته لي طوال سنوات)..

 وتكمل الفكرة في موضع آخر: إن طيف جدي جاءني في الحلم ليكشف عن نهاية بيت الأشباح، وإن المحادثات معه وفرّت لي موادَ كافية لكل الكتب التي كتبها، ومن المحتمل لكل الكتب التي سوف أكتبها أما عن منهجها في كتابة السيرة فهي ترى أن السيرة الذاتية لا تعني تسجيل يوميات بطولة الأنا بأية صورة كانت.

إنها تراها حالة من تشابك الحوادث، وتدافعها لتتشابك دلالاتها من دون أن تجبرنا على اختبار تفسير محدد، بل ندعها لتمعن في ابتزاز خيالنا.

 وإيزابيل الليندي في سياق سردية "سالي بلاند" لا ترد فضل نشأتها الروائية إلى "بابلو نيرودا" الذي رفض بكل صراحة إجراء مقابلة معها متعللاً: (لا بدّ أنك أسوأ صحفية في البلد، وأنت غير قادرة على أن تكوني موضوعية إذ تضعين نفسك في المركز من كل شيء تفعلينه، وأعتقد أنك لست بعيدة عن الكذب فعندما لا يكون لديك أخبار تخترعينها، لم لا تكتبين روايات بدلاً من ذلك. ففي الأدب تصبح هذه العيوب فضائل).

 ترى هل ندرك غمز بلاند، التي تبدو أنها على دراية وخبرة بأدبائنا الذين لا يصدقون على الله أن يفطن لهم صحفي من بلد آخر، ولو كان ربيب إبليس.

 يبد أن سالي بلاند تؤاخينا في استبداد المنهج، فهي تندهش لانكسار منهجها وانحرافه عن السياق المبدع لسيرة إيزابيل حين تعرض لحكايتها مع جدتها ( تقول أكثر من ذلك تصنع إيزابيل علاقة سؤال عن حيويتها نفسها، وتخبرنا كيف أن جدتها وصلت المستشفى بينما كانت والدتها تلد. حيث اُحتفظ بالطفلة في غرفة أخرى فتملصتا من مراقبة موظفين المستشفى، وتسللتا إلى الحضانة، وانتشلتا الطفلة من دون التأكد من أن الطفلة ابنتهما حيث كل الأطفال يبدون متشابهين في مثل دلك العمر.

ومن المحتمل أنهما لتسرعهما أبدلتاني بطفلة أخرى ، ومن المحتمل أن امرأة أخرى تعيش في مكان ما ولها عينان بلون السبانخ، وتتمتع بقدرة على الاستبصار تأخذ الآن مكاني . وتضيف سالي تعليقاً يجنّبها افتضاح حرج منهجها.

 يمثل هذا المقطع من ("باولا" نموذجاً للفكاهة، والإثارة الحاضرتين دائماً في كل كتابات الليندي وهي تستعملهما لتلطيف الأمور المأساوية المرعبة التي تحدث أحياناً لأبطالها. وتقود هذه الخاصية إلى الشك في نسبة آراء كلارا في بيت الأشباح. وهذا يعني مصادرة سالي للانفتاح الإبداعي لرواية باولا، لأنها تفيض عن مجرى منهجها الميليمتري فراحت تغرق في التأويل، بينما إيزابيل لشر ما تطرح أحياناً المنهج الممتلئ بأنا صاحبته، وضحكت على النص.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment