زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان: بين النداء الروحي والتوازنات الإقليمية

10/09/2025 - 07:12 AM

Arab American Target

 

 

 

 

بقلم الأب البر حبيب عساف *

 

زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان (من 30 نوفمبر حتى 2 ديسمبر 2025) تأتي في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها ساحة الشرق الأوسط، كحدث غير عابر يحمل في طياته دلالات روحية، سياسية وجيوسياسية في آنٍ معًا.

إنها الزيارة الأولى له خارج الفاتيكان منذ انتخابه، وتتزامن مع متغيرات كبرى، لا سيّما المفاوضات الجارية بين حركة حماس وإسرائيل، برعاية إقليمية ودولية جادّة، تهدف إلى التوصّل إلى اتفاق سلام دائم بعد نزاع دموي طويل.

وفي هذا السياق، تُطرح أسئلة جوهرية حول أبعاد هذه الزيارة، موقع لبنان في خريطة الصراع الإقليمي، والدور الذي يمكن أن يلعبه الحبر الأعظم كصوت ضمير في زمن الحسابات الاستراتيجية.

لطالما شكّل لبنان محطة رئيسية في تاريخ الحبرية البابوية، باعتباره نموذجًا للعيش المشترك بين المسيحية والإسلام.

وتأتي زيارة البابا لاوون الرابع عشر في هذا الإطار، كنداءٍ إلى إعادة إحياء هذا النموذج في زمن تتصاعد فيه الصراعات الطائفية والانقسامات الداخلية.

ومن المتوقّع أن تتضمن الزيارة محطة رمزية في مرفأ بيروت، تخليدًا لذكرى ضحايا الانفجار، وتأكيدًا على رسالة الكنيسة في مواكبة الجراح الوطنية.

إن البعد الروحي للزيارة يتجاوز التضامن الكنسي، ليشكّل إعلانًا بأن الكنيسة ما تزال تُصغي إلى أنين الشعوب، وتعمل من أجل العدالة، والرجاء، والسلام.

واللافت في توقيت الزيارة البابوية أنها تتزامن مع مفاوضات سلام حسّاسة بين إسرائيل وحماس، برعاية مصرية–قطرية–أميركية، وبدعم أوروبي وأممي.

تُعد هذه المفاوضات من الأكثر جدية منذ سنوات، وقد تُفضي إلى هدنة طويلة الأمد أو حتى إلى اتفاق دائم.

وفي هذا الإطار، قد يشكّل خطاب البابا من بيروت عنصر ضغط أخلاقي، باتجاه وقف الحرب، واحترام الكرامة الإنسانية، والدعوة إلى حلول عادلة وشاملة.

كما يُتوقع أن يُطلق من لبنان نداءً جديدًا من أجل سلام متوازن ودائم، يحفظ حقوق الفلسطينيين، ويضمن أمن الإسرائيليين، ويضع حدًا لمنطق الحصار والعنف.

تُعيد زيارة البابا لبنان إلى دائرة الضوء العالمي، في وقت يعيش فيه عزلة سياسية وانهيارًا اقتصاديًا واجتماعيًا غير مسبوق.

لأنه لطالما اعتبر الكرسي الرسولي أن لبنان يحمل رسالة أبعد من جغرافيته، وأن استقراره ضروري لتوازن المنطقة.

ومن هنا، تُمثّل هذه الزيارة فرصة لإعادة ربط لبنان بالحركة الدولية، وحثّ المسؤولين على التزام إصلاحات سياسية ومؤسساتية، توازي النداءات الروحية.

ومن غير المستبعد أن يسعى الفاتيكان إلى لعب دور مكمّل دبلوماسي، في حشد الدعم للبنان على الصعيدين الإنساني والسياسي، بعيدًا عن الاصطفافات والانقسامات.

ففي وسط حروب الهويات والانقسامات الطائفية، تبرز زيارة البابا كرسالة واضحة بأن التعدديّة ليست سببًا للحرب، بل شرطًا للسلام وغناً لشعوبها.

فرغم هشاشته، لا يزال لبنان يحمل إمكانية استثنائية ليكون مختبرًا حيًا لحوار الأديان والثقافات.

ومن شأن الخطاب البابوي أن يُعيد الاعتبار لقيم المواطنة، والعيش المشترك، واحترام التنوّع، بوصفه مصدر قوة لا ضعف.

بهذا المعنى، يتحوّل اللقاء مع لبنان إلى نداء للمنطقة بأسرها: إن السلام لا يبدأ فقط من المعاهدات، بل من المصالحة بين القلوب، والالتقاء على المبادئ الانسانية الجامعة.

في ضوء هذه الزيارة، ووسط تعقيدات الداخل اللبناني وتشابكات الخارج، قد يكون من المفيد أن تبادر الدبلوماسية الفاتيكانية إلى رعاية مشروع "لبناني-لبناني" صرف، يدعو اللبنانيين، بكافة طوائفهم ومشاربهم، إلى تبنّي بناء وطن جديد يقوم على الحياد كخيار استراتيجي دائم.

أي الحياد بوصفه صيغة جديدة للدولة اللبنانية، بكل ما يتطلبه من تعديلات دستورية وعناصر بنيوية في النظام والقوانين، بما يضمن استقرار هذه الصيغة، ويكفل استقلالها، ويحميها من التورّط في صراعات المحاور.

أما في حال تعذّر تحقيق هذا الطرح ولو في المدى المنظور، فإننا نرجو من الدبلوماسية الفاتيكانية، المعروفة بسياسة "الخطوة بعد الخطوة"، أن تُسرّع وتيرة تحركها في سبيل حماية هذا البلد الصغير – الكبير بتاريخه والغني بإرثه – من اعتداءات الجيران، وأطماع الدول العظمى في موارده.

كما ندعو إلى وضع حدّ للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأرض والشعب والسيادة، وإلى تسهيل عودة ملايين النازحين السوريين إلى بلادهم، بما يُعيد للبنان استقراره وقدرته على النهوض من أزماته بخطى ثابتة ورؤية بعيدة المدى.

إن زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان قد لا تغيّر الواقع مباشرة، لكنها تحمل قوة رمزية هائلة، وقدرة على إعادة توجيه البوصلة – كما يعوّل كثير من اللبنانيين في الوطن كما في الدياسبورا.

ففي زمن التحولات الكبرى، يصبح صوت البابا من بيروت أكثر من خطاب رعوي - روحي، بل نداء سياسي – أخلاقي، قد يُسهم في إعادة ترتيب الأولويات:

منطق السلام بدل الحرب، التعددية بدل الإقصاء، الكرامة بدل المساومة، العدالة بدل المظالم، وقيم فاعلة بدل الشعارات الانتهازية.

فهل يُنصت العالم؟

وهل يكون مجلس الأمن، أو الأمم المتحدة، أو جامعة الدول العربية، لاعبًا مهمًا أو راعيًا لولادة لبنان جديد؟

هل سينهض لبنان؟

 

*  الأب البر حبيب عساف، كاهن لبناني وأستاذ سابق في الجامعة اليسوعية في بيروت، يتمتع بخبرة أكاديمية وروحية واسعة، ويُعرف بمشاركاته التحليلية في الشؤون الكنسية، خاصة في ما يتعلق بانتخابات البابا والفاتيكان. يشغل منصبًا رسميًا في جمعية "رجاؤنا"، حيث يُمثّل الجمعية أمام الحكومة اللبنانية، ويُساهم في تعزيز العمل الاجتماعي والروحي داخل لبنان.

يتميّز الأب عسّاف بخطاب متزن يجمع بين العمق اللاهوتي والانفتاح على قضايا الإنسان والمجتمع، ويُعدّ من الأصوات الكنسية البارزة في الإعلام اللبناني.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment