د. خالد حنقير
تبدو بيروت اليوم كمدينة تُعاقَب على صمودها. فبعد فوضى الموتوسيكلات التي غزت شوارعها، والشعارات والصور التي غطّت جدرانها، ورقصات التحدّي لإرادة “البيارتة”، تتكرّس الفوضى كنهج حياة، ويُكسر القانون باسم الحرية، وتُصادَر حقوق الناس باسم الشعارات. من مصادرة الوظائف إلى إفلاس المستشفيات، يعيش أبناء العاصمة حصارًا حقيقيًا. بات المريض يدفع الفاتورة قبل أن يتلقى الخدمة، ومن لا يملك الدولار يُترَك لمصيره، وكأن العدالة الاجتماعية صارت ترفًا لا يليق إلا بالأثرياء.
فيما تتجدد اليوم المسرحية القديمة–الجديدة: النفايات تنتشر مجددًا في بيروت، في مشهدٍ يتجاوز الإهمال إلى الإهانة.
فهل هو مجرد تقصير إداري؟ أم تجارة مربحة في سوق السياسة والزبالة معًا؟
أم ورقة ضغط جديدة على المدينة، تُرفع كلما أراد أحدهم إخضاعها وكسر كرامة أهلها؟
البيارتة، أبناء المدينة الحقيقيون، هم وحدهم المحاصَرون.
يُحاولون رفع الأذى عن مدينتهم، لكنهم مُجرّدون من الأدوات ومن أبسط الحقوق التي تتمتع بها سائر البلديات.
تُدار شؤونهم باسم “القانون”، وتُتَّخذ القرارات عنهم باسم “أمّ الصبي”، وهي الصبي وابن عمّه في الوقت ذاته.
أما رجالات بيروت، فإما هاجروا وإما أُجبروا على الصمت، لتتصدّر المشهد مجموعة من “المراهقات السياسيّات” اللواتي يبرعن في التبرير والبكاء على الأطلال، في وقتٍ تحتاج فيه المدينة إلى إرادة لا إلى دموع.
أما حياة الناس اليومية، فليست أفضل حالًا.
المدارس مكتظّة والتكاليف تنهك الأهل، والأقساط تتضاعف بلا رحمة، والماء والكهرباء لهما في كل موسم قصة عذاب جديدة.
الكهرباء تضيء بيوت الأغنياء من سراج عذابات الفقراء وعرق يومهم، والمياه تُوزّع وفق من يدفع أكثر، لا وفق من يحتاج أكثر.
هكذا تتحوّل بيروت إلى مسرح يومي للتمييز، وإلى مدينة تضيء على حساب من يتعب، وتخدم من يملك، وتخنق من يصبر.
في ظل هذا المشهد القاتم، تتكاثر الأقنعة وتتبدّل الأدوار، لكن الضحية واحدة: بيروت وأبناؤها.
مدينة تُغتال مرتين: مرةً بالنفايات التي تملأ شوارعها، ومرةً باليأس الذي يملأ قلوب أهلها.
ويبقى الأمل بأن تنهض من جديد، لا بمعجزة، بل بإرادة أهلها الذين ما زالوا، رغم كل شيء، يرفضون دفن مدينتهم حيّة.













10/07/2025 - 15:18 PM





Comments