ربى شلهوب أبو فاضل
بثوب أبيض يخفي وراءه وجعًا أسود، تزف الطفولة في لبنان إلى المذبح باسم العادات والدين والفقر، وتكتب على دفاتر الزواج قصص الحرمان من المدرسة واللعب والحلم، تتحول الطفلة إلى زوجة وأم قبل أن تعرف معنى جسدها أو مصيرها، وخلف الأبواب المغلقة، تتوارى صرخات مكتومة وأحلام مؤجلة، فيما تبرر الجريمة بعبارات "الستر والمصلحة والقدر".
وتعرف منظمة الأمم المتحدة للطفولة الـ"يونيسيف" زواج القاصرين بأنه "أي زواج رسمي أو غير رسمي يضم طفلا دون سن 18 سنة بشخص بالغ أو طفل آخر".
لكن هذه الزيجات ليست مجرد زلات ثقافية أو استثناءات عابرة، إنها مرآة لخلل بنيوي عميق يعكس هشاشة المجتمع اللبناني، ويكشف إخفاق الدولة في حماية حقوق الأطفال، فبينما تسارع دول العالم لحماية القاصرين وتكريس حقهم في التعليم واللعب والحياة الكريمة، لا تزال طفولة اللبنانيات تباع بثمن الفقر والجاهلية.
تحكي الفتيات المتضررات من الزواج المبكر عن واقع مؤلم يسرق الطفولة منهن، تقول سارة، 16 سنة "لم أكمل مدرستي، وأصبحت أما قبل أن أعرف معنى الطفولة، أشعر أن حياتي توقفت" وتضيف ليلى، 15 سنة "أهلي قالوا لي إنه من الأفضل أن أتزوج الآن لحمايتي… لكنني أشعر بالخوف والحرمان" أما نور 17 سنة، فتصف العزلة التي تعيشها: "الزواج المبكر جعلني وحيدة لم يعد لدي وقت لأحلم أو ألعب، كل يوم مسؤوليات جديدة"، وتختم رنا، 16 سنة، شهادتها قائلة "أصدقائي لا يرونني الآن كما كنت، وأنا أفتقد المدرسة والضحك والحرية. "
وتكشف هذه الشهادات عن واقع ملموس ينعكس في الأرقام، فحالات الزواج المبكر ازدادت في السنوات الأخيرة، ولا سيما في المناطق الريفية والأطراف المهمشة، حيث أظهرت دراسة أعدها "التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني" عام 2023 أن 20% من حالات الزواج في لبنان تشمل قاصرين وقاصرات دون سن 18 عاما، غالبيتهم من الإناث بنسبة 87%، وتعتبر هذه الأرقام صادمة مقارنة بإحصاءات اليونيسيف لعام 2016 التي أشارت إلى أن 6% فقط من الفتيات اللبنانيات تزوجن قبل بلوغهن سن الـ18، وهذا الارتفاع يعكس تأثير التراكم الاجتماعي والاقتصادي في واقع الطفولة.
ويشير خبراء الاجتماع إلى أن هذا الارتفاع يعكس تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يرزح تحت وطأتها لبنان، فالفقر المدقع، والانهيار الاقتصادي، وموجات النزوح، وغياب الدولة الاجتماعية، دفعت مئات الأسر إلى تزويج بناتها مبكرا، اعتقادا منها أن ذلك يخفف الأعباء أو يوفر "حماية" زائفة في مجتمع يتربص بالضعفاء، وبطبيعة الحال، فإن هذه الظاهرة لا تقتصر على المواطنين اللبنانيين فقط، بل تشمل أيضا الأسر اللاجئة التي تواجه ظروفا معيشية صعبة.
كما تؤدي العادات والتقاليد والمفاهيم الاجتماعية دورا بارزا، خاصة في المناطق الريفية والأقل نموا اقتصاديا، إذ ترتبط فكرة الشرف العائلي بحماية الفتاة وتهيئتها للزواج المبكر، ويواجه الأهالي ضغوطا مجتمعية للالتزام بهذه الأعراف، ويتفاقم هذا الخطر بسبب ضعف التعليم وانقطاعه عن الفتيات أو أمهاتهن، ما يقلل وعي الأسرة بخطورة الزواج المبكر، إلى جانب ذلك، يسهم غياب القوانين الموحدة أو ضعف تطبيقها في الأحوال الشخصية، التي تختلف حسب الطوائف، في تفاقم المشكلة، إذ لا توجد آليات فعالة لضمان الحد الأدنى القانوني لعمر الزواج، ما يجعل القاصرات أكثر عرضة لهذه الممارسة الضارة.
وفي السياق القانوني، أكد مصدر قانوني أن "موضوع حماية القاصرات من الزواج المبكر هو موضوع شائك، نظرا إلى طبيعة النظام الطائفي في لبنان، واختلاف سن الزواج بين الطوائف والمذاهب، وعدم وجود رقابة موحدة من أي سلطة على هذا الأمر"، مضيفا "إن الاختلاف الحاصل هو نتيجة تعدد قوانين الأحوال الشخصية والتشابك في تطبيقها وتنفيذها، وخصوصا عند وجود اختلاف في الدين بين الزوجين، وبالتالي، فإن الإصلاح القانوني يعد عنصرا أساسيا لمعالجة هذه الأزمة".
في هذا السياق جددت السيدة الأولى، نعمت عون، في أول مقابلة تلفزيونية لها، رفضها القاطع لزواج القاصرات، واعتبرتها شكلاً من أشكال العنف الجسدي والنفسي، مشيرة إلى أن فريقها يعمل على مشروع يمنع تزويج الفتاة قبل سن الـ18، ويؤكد هذا الموقف الرسمي على أهمية الالتزام بالمعايير الدولية لحماية الأطفال.
من جهتها، أشارت المحامية ليلى عواضة، شريكة مؤسسة في منظمة "كفى"، إلى أن "زواج القاصرات مرتبط مباشرة بالأحوال الشخصية وقوانين الطوائف المطبقة في لبنان، والتي تسمح بتزويج القاصرات"، مؤكدة أن "معركتنا هي معركة القانون الموحد للأحوال الشخصية الذي نطالب به لرفع يد الطوائف عن القانون، ويرد للدولة سيادتها على التشريع، ويحدد سن الزواج بـ18 سنة".
وأضافت أن الحملات التوعوية منذ 2015، مثل حملة "جازة أو جنازة"، ركزت على ربط موضوع تزويج القاصرات بالعنف ضد الإناث، وبينت أن الوعي الاجتماعي يسبق التشريع، فالناس في بيئاتهم يرفضون تزويج القاصر، لكن القوانين الطائفية لا تزال تسمح بذلك، بما في ذلك حالات ربط الزواج بحق المغتصب بالقاصر، وهو ما يعكس تأثير قوانين الأحوال الشخصية في القوانين المدنية".
يشار إلى أن لبنان عضو في عدد من المواثيق الدولية التي تمنع بوضوح زواج الأطفال، بما في ذلك "اتفاقية حقوق الطفل" و"اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة" (سيداو)، وتدعو لجان الأمم المتحدة التي تسهر على تطبيقها الدول الأعضاء إلى تحديد السن الأدنى للزواج بـ 18 سنة واتخاذ تدابير لإنهاء زواج الأطفال.
وحددت دول عربية السن الأدنى للزواج بـ 18 سنة مع سماح بعضها باستثناءات محدودة، وهي: السعودية، الأردن، الإمارات العربية المتحدة، تونس، الجزائر، العراق، عُمان، ليبيا، والمغرب.
ومن المفارقات أن القانون اللبناني يمنع قيادة السيارة لمن لم يبلغ 18 سنة ويحدد سن الانتخاب بـ21 عاما، بينما لا توجد حماية مماثلة للفتاة نفسها من الزواج المبكر، وكأن جسدها ليس مسؤولية الدولة، بينما السيارة والبطاقة الانتخابية تحت الرقابة القانونية الصارمة.
بعيدا عن الأرقام، لا بد من التطرق إلى مخاطر هذا الزواج وما سيترتب عليه على حياة الفتيات والمجتمع ككل، فمن الناحية الاجتماعية، تتوقف الفتاة المتزوجة مبكرا غالبا عن الدراسة، ما يقلل من فرصها المستقبلية ويحد من استقلاليتها، كما تعاني من عزلة اجتماعية بسبب انتقالها من بيتها الأصلي أو الابتعاد عن أصدقائها، وتحمل مسؤوليات أسرية مبكرة تمنعها من المشاركة في الأنشطة الاجتماعية، ويعمق الزواج المبكر التفرقة والتمييز بين الجنسين عبر تعزيز فكرة أن دور المرأة يقتصر على المنزل والأطفال، مع زيادة خطر تعرضها للعنف الأسري بأنواعه.
أما من الناحية النفسية والاقتصادية، فالفتيات المتزوجات مبكرا يواجهن اضطرابات مثل القلق والاكتئاب واليأس، ويشعرن بالإحباط من الحياة الزوجية نتيجة عدم التوافق العاطفي والفكري مع الزوج، كما يتحملن ضغطا نفسيا كبيرا بسبب المسؤوليات المنزلية والأمومة المبكرة، مع شعور دائم بفقدان فرص التعليم والعمل وتطوير الذات، ويرتبط هذا الضغط النفسي بالواقع الاقتصادي، إذ يحد عدم إتمام الدراسة من فرص الفتيات في الحصول على عمل مستقل ودخل مناسب، ما يجعلهن معتمدات على الزوج أو العائلة، ويضاعف الزواج المبكر الأعباء على الأسرة، خصوصا إذا كان الزوج ذا دخل محدود، كما يؤثر ذلك سلبا في المجتمع ككل من خلال فقدان الموارد البشرية المؤهلة وضعف التنمية في مجالات التعليم والصحة والإنتاجية.
كما يحمل الزواج المبكر آثارا صحية جسيمة، بحسب ما أكد مصدر طبي "إذ يضاعف من مخاطر الحمل والولادة المبكرة، ويزيد احتمالات التعرض لمضاعفات صحية للأم أو الطفل، بما في ذلك أمراض الجهاز التناسلي أو الإجهاض المتكرر".
ولمواجهة ظاهرة زواج القاصرات وآثارها الاجتماعية والنفسية والصحية والاقتصادية، يقترح الخبراء مجموعة من الحلول المتكاملة، أبرزها:
- قانونيا: تشريع قانون موحد يحدد سن الزواج بـ18 عاما لجميع الطوائف مع استثناءات مشروطة بموافقة القضاء أو جهة مختصة، وليس فقط الأهل.
- تعليميا: تعزيز التعليم وضمان بقاء الفتيات في المدارس حتى بعد البلوغ، مع تقديم دعم مادي ومعنوي للأسر لتخفيف الضغوط الاقتصادية التي قد تدفعهن إلى الزواج المبكر.
- مجتمعيا واقتصاديا: إطلاق حملات توعية مجتمعية حول مخاطر الزواج المبكر، استهداف القرى والمخيمات والبيئات الأكثر تأثرا، إشراك الأهل والقادة المحليين ورجال الدين، توفير دعم اقتصادي واجتماعي للأسر الضعيفة عبر مساعدات مالية، مشاريع تشغيل للنساء، وبرامج لتعزيز دخل الأسرة.
- صحيا ونفسيا: تقديم خدمات صحية ونفسية متخصصة للقاصرات المتزوجات، تشمل رعاية صحية جيدة، دعم نفسي، إمكان الوصول إلى خدمات تخطيط عائلي، إلى جانب مراقبة قانونية صارمة لتسجيل الزواج، وفرض شروط الفحص الطبي وموافقة الفتاة، ومحاسبة أي جهة تنتهك هذه القوانين.
وأطلقت عدة جمعيات نسوية حملات في الشوارع ووسائل الإعلام تدعو لتبني قانون مدني موحد يجعل الحد الأدنى لسن الزواج 18 عاما، من بينها جمعية "كفى" التي أطلقت على حملتها عنوان "لبنان بلا شخصية"، وحملة "مش قبل الـ18" التي أطلقها التجمع النسائي الديموقراطي اللبناني.
* ربى شلهوب أبو فاضل هي صحافية لبنانية معروفة تكتب في صحيفة الديار اللبنانية، وتتناول في مقالاتها قضايا اجتماعية واقتصادية وثقافية تمس الواقع اللبناني بشكل مباشر. تتميز كتاباتها بالتحليل العميق واللغة الرصينة، وغالبًا ما تسلط الضوء على الأزمات المعيشية، التحديات الثقافية، والتحولات الاجتماعية في لبنان.













10/07/2025 - 09:17 AM





Comments