القلوب الذهبيّة

10/06/2025 - 08:11 AM

Prestige Jewelry

 

 

 

بقلم الأب الدكتور نبيل مونس *

 

وسط عواصف الأحداث وتقلّبات الأوضاع وصراعات القوى التي تعصف بعالمنا اليوم، وجدتُ نفسي مدفوعًا للبحث عن القلوب الذهبيّة—تلك الأرواح النادرة التي لا تبهت في زمن المصالح والنزاعات.

قد يتساءل البعض: ما جدوى هذا البحث في عصرٍ تتقاذفه الأنانيات وتُغرقه الحروب؟

لكنني، في تأمّلي العميق لما يجري في لبناننا الجريح، وفي شرقنا النازف، وفي ما يحيط بنا من أوجاع تمتدّ من أوروبا إلى آسيا وأفريقيا، كنتُ أترقّب فجرًا جديدًا للحرية والسلام. وإذا بي أُفاجأ بخبر عاجل يتكرّر: "الذهب يسجّل مستوى قياسيًا جديدًا في المعاملات الفورية عند 3656.92."

توقّفتُ عند هذا الرقم، لا من باب الاقتصاد، بل من باب الرمزية. فقد بدا لي وكأنّه يحمل صدىً تاريخيًّا من زمن الحرب اللبنانية المجنونة، حين ظهر رجلٌ من ذهب، الرئيس إلياس سركيس، ابن الشبانية وجار أجدادي في السكن والقربى.

رغم تواضعه الجمّ، شهد له الأب البروفيسور يُوسُف مونس، رفيق دربه، في حديثٍ نُشر بجريدة "نداء الوطن" بتاريخ 7 كانون الأول 2024، بقلم نوال نصر، فقال:

"أحبَّ إلياس سركيس بشير كثيرًا. كان مطّلعًا، يراقب ويسمع ويقرأ. عاش فقيرًا ومات فقيرًا.

قلتُ له يومًا: يا فخامة الرئيس، لقد كتبوا على الجدران (إلياس سركيس جبان). فأجابني بهدوء: كم سعر الخبز؟ كم سعر الغاز والقمح والأرز والسمنة واللحم؟ لا تهتم، لن أدع الفقراء يجوعون، وسيأتي يوم يمحون ما كتبوه بدموع العيون.

كنتُ أقول له: لا تملك جيشًا ولا حزبًا ولا قبيلةً، فيُجيبني: أملك قراري.

هل تعلمين أنه أبى أن يقبض راتبه وتركه في خزينة الدولة؟

هو من اشترى الذهب… الذهب الذي يضمن حياة لبنان وكرامته."

عندها، تذكّرتُ المثل الشهير عن البطاركة الموارنة السبعة والسبعين: "عصيّهم من خشب وقلوبهم من ذهب."

كم تُضيء هذه الكلمات ظلمات العصور، وتختصر تاريخًا مقدّسًا من الارتقاء والتضحية والشهادة.

فيا أحفاد القلوب الذهبيّة، يا من تتلألأون بالنور والمعرفة والمحبة والمسامحة وقوة الروح،

يا أصحاب القلوب المقدّسة التي حملت الصليب وسارت في درب البطولة والرحمة والحرية،

في ختام الكلام، أدعو كل قلب قارئ، وكل أخ في الروح والدم، إلى مائدة الحكمة الإلهية، ليغرف بملء كفّيه من صحف القلوب الذهبيّة، علّ قلوبنا تُصغي، فيحلّ فيها الخلاص الأبدي: "التمس فهمًا لا ذهبًا. البس الاتضاع لا الأرجوان. اقتنِ سلامًا لا ملكًا".

† القديس إسحق السرياني

 

* الأب الدكتور نبيل مونس هو كاهن ماروني ومفكر لاهوتي لبناني، يشغل منصب راعي كنيسة سيدة لبنان المارونية في ولاية أوكلاهوما الأميركية، ومؤسس اللجنة اللاهوتية للسلام في لبنان.

يتميّز الأب مونس بكتاباته الروحية والفلسفية التي تتناول قضايا الهوية المسيحية، والقيامة، والسلام، والعدالة، وقد تناول في مقالاته في صحيفة بيروت تايمز شخصيات دينية بارزة مثل القديس شربل، البطريرك يوحنا مارون، البطريرك إلياس الحويك، والبابا الراحل فرنسيس والبابا لاوون الرابع عشر و الأب البروفيسور يُوسُف مونس، مسلطًا الضوء على دورهم في تشكيل الهوية المسيحية في الشرق.

رسالة الأب نبيل مونس تتجاوز حدود الكنيسة، فهو يرى في الإيمان دعوة للحوار والمحبة والرجاء في عالم ممزق، ويؤمن بأن "الحق لا يسقط لأنه الحق من الحق"، كما يردد في كتاباته المستوحاة من الإنجيل والآباء القديسين.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment