بقلم شربل عبدالله أنطون
استحوذت خطة إدارة ترامب للسلام في غزة، التي كُشف عنها مؤخراً، على عناوين الصحف العالمية، بوعودها الجريئة وتحالفها الواسع من المؤيدين. تسعى الخطة إلى إنهاء أحد أقدم الصراعات في العالم من خلال تعزيز تعددية إقليمية جديدة تتمحور حول دعم الدول ذات الأغلبية المسلمة لرؤية تقودها الولايات المتحدة. ولكن مع ظهور التفاصيل واقتراب المواعيد، يبقى السؤال الحقيقي: هل تُمثّل هذه المبادرة نقطة تحول حقيقية في دبلوماسية الشرق الأوسط، أم أنها مجرد عنوان عابر سيتلاشى في خضم إخفاقات تاريخية؟
نموذج جديد للتعددية الإقليمية - بمخاطر جيوسياسية عالية
على عكس جهود السلام السابقة، جمعت الخطة تحالفاً غير مسبوق من الدول ذات الأغلبية المسلمة: المملكة العربية السعودية، مصر، وقطر، وتركيا، وإندونيسيا، وباكستان، جميعها أبدت دعمها. ويؤكد الدور العلني لترامب كرئيس لـ "مجلس السلام" الدولي للإشراف على حكم غزة وإعادة إعمارها، في إعلان صريح عن التزام أميركي بارز، خاصة إن استخدم ترامب قوة الرئاسة للوصول إلى نتائج عملية قد لا يريدها نتنياهو، ناهيك عن حماس، الشريكة الموضوعية لليمين الإسرائيلي المتطرف.
تُشير هذه "التعددية الإسلامية" إلى تحول من الأطر التي يهيمن عليها الغرب إلى جهات إقليمية تتقاسم مسؤولية الاستقرار في الشرق الأوسط. ومع ذلك، تستبعد الخطة صراحةً الصين وروسيا، بينما تهدف بقوة إلى عزل إيران عن وكيلتها حماس، مما يُنعش مركزية الدور الأميركي ويُعمق الانقسامات الجيوسياسية الإقليمية.
التنفيذ: مغامرة محفوفة بالمخاطر مع إنذار نهائي حاسم
تكشف تفاصيل الخطة بأن مراحلها المتسرعة تسير على حبل سياسي مشدود وكأنها مغامرة محفوفة بالمخاطر؛ فحماس تواجه إنذاراً حاسماً: إما قبول نزع السلاح الكامل والاستسلام السياسي النهائي، وإعادة الأسرى بسرعة للإفراج عن السجناء الفلسطينيين في إسرائيل، أو مواجهة عزلة دولية. يُفاقم تأييد قطر وتركيا للخطة من تدهور وضع حماس السياسي، بينما يُضعف تراجع نفوذ طهران الإقليمي قدرتها على دعم غزة عسكرياً.
في غضون ذلك، فإن موقف نتنياهو المتذبذب يبقى محورياً. فرغم تردده، يُدرك رئيس الوزراء الإسرائيلي أن نفوذ ترامب قد يُسهم في نجاحه السياسي أو فشله. ويُنذر نجاح الخطة أو فشلها بأن يُصبح رهاناً على مسيرة نتنياهو السياسية ومستقبل حكم إسرائيل لغزة، مما يُفاقم المخاطر السياسية الداخلية في تل أبيب.
سلام أم مسرحية سياسية؟
للوهلة الأولى، تبدو الخطة كخارطة طريق مفصلة للسلام، فهي تتضمن مساعدات إنسانية، والتزامات بإعادة الإعمار، وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من غزة. لكن المشككين يتساءلون عما إذا كانت مجرد لفتة استعراضية تهدف إلى الإشارة إلى انخراط أميركا بقوة في هذا الملف، أكثر منها إطاراً عملياً قائماً على حقائق واقعية.
لكن الفشل في التنفيذ - وهو ما بدأ يتضح بالفعل في ردود حماس المترددة والانقسامات السياسية الإسرائيلية القائمة - قد يُلحق ضرراً بالغاً بمصداقية الولايات المتحدة، مما يعزز سرديات التراجع الأميركي. ومع ذلك، فإن نجاح الخطة يُحقق نصراً دبلوماسياً غير مسبوق لواشنطن، ويُعيد تشكيل مستقبل الشرق الأوسط.
غزة "بلا دولة": الخطر الخفي
تُخاطر خطة ترامب بخلق "تقسيم ناعم" لغزة؛ ففرض حكم تكنوقراطي وقوات حفظ سلام دولية دون سلطة محلية واضحة وشرعية، قد يحوّل غزة إلى "مساحة بلا دولة"، وفضاء منفصل عن الهياكل الوطنية الفلسطينية. وهذا يُثير شبح الفوضى، وظهور جماعات مسلحة جديدة، أو تنامي التطرف بين الشباب الفلسطيني الساخط. إضافة إلى أنه يضرب أركان مشروع الدولة الفلسطينية المنشودة ضمن حل الدولتين
إن غياب حل سياسي مستدام ليحل محل حكم حماس يترك أسئلة مفتوحة حول هوية غزة ومستقبلها. وهو أمر يبدو أن صناع الخطة يقللون من خطورته.
جوهر المسألة: الشرعية المحلية مقابل الإجماع الدولي
في نهاية المطاف، يعتمد نجاح الخطة على سد الفجوة الهائلة بين التأييد الدولي والشرعية المحلية. وبينما يُعدّ دعم الدول الإسلامية والقوى الغربية إنجازاً دبلوماسياً، إلا أن المبادرة، دون دعم شعبي فلسطيني حقيقي - وخاصة من سكان غزة المدنيين - معرضة لخطر الانهيار.
يتطلب السلام الحقيقي تنازلات صعبة، وأحياناً غير مريحة، يقدمها أولئك الذين يعيشون الصراع يومياً. وتهدد الفجوة بين الدبلوماسية الدولية والواقع المحلي بتحويل الخطة إلى مجرد اتفاقية مفروضة من الخارج، مصيرها الرفض أو التجاهل.
لحظة مفصلية يكتنفها غموض عميق
تقف خطة ترامب للسلام في غزة عند مفترق طرق. فهي طموحة بما يكفي لإعادة رسم التحالفات وتعزيز النفوذ الأميركي، إلا أنها هشة وسط انعدام ثقة عميق بين إسرائيل والفلسطينيين، إضافة إلى التعقيدات السياسية والواقع الميداني. تُجسد خطة ترامب لحظةً بالغة الأهمية لجميع الأطراف المعنية: القوى الإقليمية، والفلسطينيون في غزة، والائتلاف الإسرائيلي المنقسم، والولايات المتحدة نفسها.
يبقى من غير المؤكد ما إذا كانت ستصبح إنجازاً تاريخياً يكسر عقوداً من الجمود، أم مجرد عنوان رئيسي آخر يبتلعه هذا الصراع الدموي. لكن الأمر الواضح هو أن الأسابيع المقبلة ستختبر مرونة الخطة وقدرة المجتمع الدولي على التعامل مع أحد أكثر التحديات الدبلوماسية صعوبة في العالم.













10/04/2025 - 07:09 AM





Comments