التأويل الديني ضالة السياسة

10/02/2025 - 14:37 PM

Arab American Target

 

 

 

د. خالد زغريت

 

 منذ وجد الإنسان على الأرض، وهو في جدل مستدام حول معنى وجوده وهدفه، وحول تكوين الكون وأصل نشأته وهدف نشوئه وغايته. واستمر هذا الجدل مع ولادة كل فكرة أو رسالة سماوية. فتحوّل هذا الجدل إلى صراع مادي وفكري حول الألوهة الخالقة في عقائد غيبية، والبشرية التي تريد أن تدحض الغيبية لصالح وجودها البديل الوقائعي، فتتأله بصورة غير مباشرة.

ولن ندخل هنا في متاهة التدليل على ذلك، واستحضار الأمثلة التي استبدلت فيه البشرية ذاتها بالألوهية، إنما بغيبية تفسيرية، فأرجعت الكون والتكوين إلى خرافات وأساطير هي غيبية بامتياز.

 وظل هذا التيار الذي يسعى إلى سرقة الرسالات السماوية لنقلها بذريعة التأويل إلى رغبوية بشرية تحلّ فيها البشر محلّ الألوهية. وكان التأويل هو المجال الحيوي لذلك فالنص السماوي هو إلهي ثابت، بينما التأويل هو استبدال الإلهي بالبشري، فالتأويل نص جديد ينتجه البشري. ويحوّله إلى آفاق يخيّم فيه أصحاب النوازع والرغبات والأهواء ذواتهم والتأويل سياق مفتوح لانزياحات لا تنضب عن الحقيقة إلى الرغبة والغايات.

وإذا كان هذا ديدن البشر منذ الوجود، فلن يكون مستهجناً أن يحضر بقوة في الدين الإسلامي الذي ارتضاه الله عز وجل خاتم الأديان وذروة القيم الإنسانية. ولكننا نشهد تقهقر حال هذا الدين عالمياً، وانتكاسه إلى تجمعات بشرية يصبغها العصر بسمات التخلف الإنساني. ويعود هذا الأمر إلى عاملين، وكلاهما يتعلّق بأهداف حملته ودعاته لا بذاته. الأول دعاة متقوقعون، توقفوا عند زمن حملته الأوائل من غير أن يميّزوا بين الشكل والمضمون في التعامل مع الزمن،ومنجزاته. فانغلقوا فنبذوا حضارياً.

 والثاني دعاة اخترقوه من داخله، ونقلوه من طبيعته الإلهية إلى طبيعة بشرية رغبوية أهوائية، فأفرطوا بتأويلات تحقق بشريتهم ورؤاهم. فاخترقوا الدين وشعبّوه وفق تلك الأهواء. وما المذاهب المختلفة التي وصلت إلى حدّ التناقض والخصومة والعداء ما لم يبلغه مع أعدائهم الأساسيين إلا نتيجة تلك التأويلات الغائية. فأغرقوا الدين في صراعات داخلية أضعفته، وأخرجته عن مشاركته في الحضارة المعاصرة. وحولته في نظرها إلى ردة بشرية إلى عالم بدائي متطرف بعدائه للإنسانية المتحضرة.

نستطيع أن نختزل آراء مختلف أصحاب هذا التيار التأويلي بقول د. عبد الرحمن بدوي:"إن الدين الحقيقي والحيّ هو الذي يستوعب الحركات المتجددة والثورات العقلية والنوازع الروحية العنيفة المتعددة. وهو إذ لم يتحول إلى رمز قابل لما لا نهاية له من أنواع التفسير التي قد تبلغ الفارق بين بعضها وبعض حد التناقض يصبح ديناً هشاً. فالدين الذي يقدم نفسه على أنه ناموس واضح كامل الأجزاء، صريح في كل تفصيلاته، قد فضّ للناس كل ما فيه من مضمون هو دين مقضى عليه بالموت والتحجر".

يتمركز هذا القول على نفي ألوهية النص القرآني، وتعبيره الصريح بإكمال الدين واكتماله. ويفرض عليه صبغة الرمز التي تتيح لأهل الأهواء أن يركبوا تأويله لتصوراتهم وغاياتهم.

 وليس أدل على فتنة هذا الرأي أن هذا القول لمفكر معاصر على أن قوله هو توصيف لحقيقة ما أبدعه أصحاب الملل والأهواء منذ نشأتها الأولى في الإسلام، وهذا مدخلهم، ومدخل الثورات والتيارات التي وصل التناقض فيها من الدعوة للإله الواحد جوهر رسالة الإسلام إلى الدعوة إلى تأليه الدعاة، وتلك حقيقة منها ما هو مباشر، ومنها ما هو مموه وذلك راسخ في عقائد المذاهب التي تنضوي تحت عناوين الطوائف الإسلامية التي أنتجت فئات متطرفة يدينها الإسلام قبل غيره. وليس الهدف من هذا الفهم للتأويل تجديد الدين ومعاصرته للحضارة، بل الهدف منه استثماره في تحقيق غايات سلطوية بصبغة دينية. فتاريخ التأويل الديني يدل على أنه ضالة السلاطين وحكمة الشياطين.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment