شعبية غير مسبوقة وهاوية مالية: معادلة لبنان المستحيلة

10/01/2025 - 12:34 PM

A

 

 

بقلم: لبنى عويضة...

 

ليس من المبالغة القول إنّ لبنان، الذي اعتاد أن يكون مختبرًا للأزمات، تحوّل فجأة في استطلاع «غالوب» الأخير إلى مختبرٍ للرجاء. بلدٌ لطالما تصدّر لوائح انعدام الثقة بالسلطة، يجد نفسه اليوم أمام قفزة غير مسبوقة في مؤشرات التأييد الشعبي؛ إذ إنّ 62% من اللبنانيين يوافقون على قيادة بلادهم، مقابل 16% فقط قبل عام واحد. ويُعدّ هذا التحوّل بمقدار 46 نقطة مئوية الأكبر منذ أن أطلقت «غالوب» استطلاعها العالمي قبل عشرين عامًا.

تكشف الأرقام أنّ الرئيس جوزيف عون لم يكتفِ بملء الفراغ السياسي، بل تحوّل في نظر اللبنانيين إلى رمزٍ للتماسك الوطني بعد خريف دموي. ونسبة التأييد البالغة 81% ليست مجرّد رقم، بل انعكاسٌ لبحث اللبنانيين عن “أب رمزي” يقدّم الاستقرار على الفوضى، ويمنحهم ما يشبه رأسمال الثقة المفقود منذ تفجير مرفأ بيروت عام 2020.

أما رئيس الحكومة نواف سلام، القادم من فضاء العدالة الدولية، فيمثّل في الوعي العام الضمير الإصلاحي القادر على مخاطبة الداخل والخارج بلسان واحد. وقد حاز تأييد 56% من اللبنانيين، في دلالة مزدوجة: دعمٌ من القاعدة الشعبية، ورهانٌ من النخب على خبرة قانونية نادرة في المشهد اللبناني، أو بالأحرى نادرة التطبيق في واقعه.

ومن زاوية أخرى، يكشف الاستطلاع عن إحياء تدريجي لبعض المفاصل المؤسسية: فالثقة بالحكومة قفزت من 12% إلى 48%، والنظام التعليمي استعاد 67% من ثقة المواطنين، فيما سُجّل تحسّن في صورة القضاء (28%). الأهم أنّ نزاهة الانتخابات، التي لطالما عُدّت «مسرحية»، باتت اليوم تحظى بثقة 45% من اللبنانيين مقابل 17% في العام الماضي، ما يوحي بإمكان عودة الروح إلى الحياة الديمقراطية مع اقتراب انتخابات 2026.

لكن في المقابل، يبقى النظام المالي «الهوة السوداء» التي تبتلع كل أمل. 4% فقط يثقون بالمؤسسات المصرفية، في أدنى نسبة عالميًا. وهذا الرقم ليس إحصاءً باردًا، بل صدمة وجودية تختصر ودائع مجمّدة، ومستقبلات معلّقة، ودولة بلا ذراع مالية.

اللافت أيضًا أنّ تصوّر الفساد، رغم بقائه مرتفعًا (82%)، بدأ يتراجع عن مستويات العام الماضي (92%). قد يقرأ البعض هذه النسبة كنوعٍ من «التأقلم» مع الواقع، لكنها في العمق مؤشّر إلى بداية إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة، بين السلطة والمجتمع. فالفساد لم يعد مجرّد جريمة إدارية، بل صار «مرآة ثقافية» تفضح البنية العميقة للسلطة.

أما ما تصفه «غالوب» بالفرصة الفريدة، فهو مرتبط أيضًا بالوضع الإقليمي: فضعف حزب الله بعد اتفاق وقف إطلاق النار مع العدو، وولادة حكومة جديدة تحمل تفويضًا شعبيًا، يفتحان الباب أمام إصلاحات مؤجلة منذ عقود. ومع ذلك تبقى النافذة هشّة؛ فالانتخابات النيابية المقبلة في أيار 2026 ستكون الاختبار الأول لمدى قدرة هذه الشرعية على الصمود أمام تقاليد الزبائنية والطائفية.

التجربة اللبنانية ليست معزولة. ففي كولومبيا مثلًا، بعد توقيع اتفاق السلام عام 2016، شهدت البلاد ارتفاعًا لافتًا في مؤشرات الثقة بالقيادة، سرعان ما تراجعت حين اصطدمت الآمال ببطء الإصلاحات. وفي إسبانيا، خلال الانتقال الديمقراطي في أواخر السبعينيات، تحوّلت الثقة الشعبية إلى رافعة ثقافية مكّنت البلاد من إعادة بناء مؤسساتها. هذه النماذج تذكّر اللبنانيين بأنّ الأرقام لا تكفي وحدها؛ فالمعادلة الحقيقية تكمن في تحويل «لحظة التفاؤل» إلى بنية مستدامة تقي المجتمع من العودة إلى حلقة الإحباط.

إذن، ما تكشفه «غالوب» ليس مجرد أرقام، بل صورة عن شعب يحاول إعادة بناء سرديته الوطنية: من بلد الأزمات إلى بلد الفرص، ومن مجتمع الشك إلى مجتمع يمنح الثقة بحذر. لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق: بين قفزة الثقة وهاوية الشك. وما لم تُترجَم هذه اللحظة النادرة إلى إصلاح ملموس، ستتحوّل إلى فصل جديد من رواية الانتظار اللبنانية… فيلم طويل قد يرهق المشاهد قبل أن يبلغ نهايته.

 

 

نشر في جريدة الرقيب الالكترونية أيضاً

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment