بقلم: ألفة السلامي
يوم اللعب الدولي للأمم المتحدة الموافق الحادي عشر من يونيو سنويًا تذكير بأن اللعب هو نبض الطفولة. رسالة هذا العام هي تذكيرٌ لطيفٌ لنا جميعًا -آباءً ومعلمين وسياسيين ومدارس ومجتمعات-بأن اللعب هو نبض الطفولة، وعلينا أن نمنح الأطفال فرصة اللعب كل يوم.
اللعب أساسيٌّ لطفولةٍ صحية، فهو الطريقة التي يتعلم بها الأطفال، ويُنمّون خيالهم، ويكتشفون بها كيفية التعامل مع العالم. من خلال اللعب، يختبرون أدوارًا مختلفة، ويخاطرون، ويتعلمون المرونة، ويكوّنون صداقات بل وأحيانًا خصوما وأعداء، ويحلون المشكلات، والأهم من ذلك كله أنهم يتعرفون على ذواتهم ويكتشفون مهاراتهم وينمّون مبادئهم التي تصبح تدريجيا نمطا من الأخلاق التي تحدد تصرفاتهم. وفي معظم الحالات، لا يحتاجون منا أي شيءٍ للقيام بذلك، سوى فرصة اللعب بحرية مع الأطفال الآخرين.
في هذا العالم المُثقل بالجداول الزمنية التي تبدأ من مرحلة رياض الأطفال وكانت في جيلي تبدأ في سن الخامسة وأصبحت الآن في سن الثانية، ناهيك عن الشاشات والتليفونات يمسكها الرضّع كما يمسكون "بيبرونة الحليب"، والبحث اللاهث من الآباء عن النتائج وكأن الرضع في مرحلة نيل الدكتوراه، تتضاءل فرص الأطفال في اللعب الحر وبتلقائية. إن أمنية الآباء تنحصر أغلب الأحيان في قضاء المزيد من الوقت في هدوء، بعيدا عن ضجة الأطفال وأصواتهم، وهذا يعني قلة الوقت المُخصص للمرح الإبداعي مع الأطفال.
هناك حاجة ماسة إلى تغيير المفاهيم المسيطرة على عقولنا عن معنى اللعب والحاجة إليه؛ فاللعب ليس رفاهية ولا استراحةً من التعلم -إنه تعلمٌ بحد ذاته. إنه المكان الذي تُصقل فيه المهارات الاجتماعية والثقة بالنفس والمرونة، وتُختبر وتُعزز. لا تتوقف الحاجة إلى اللعب وفوائده عند الصف الرابع أو السادس أو حتى في المدرسة الإعدادية أو الثانوية. فالأطفال لا يكبرون ولا يتوقفون عن اللعب، بل تتغير طرق لعبهم وسبل متعتهم. قد يبدو اللعب مجرد تسلية، أو عبث، أو حتى تصرف أحمق أمام الأصدقاء، لكنه يبقى لعبًا، وهو ضروري لنمو صحيّ.
واللعب ليس مفيدًا للأطفال فحسب، بل هو هدية للآباء أيضًا لمن يفهمون. وكم مرة كنت أكتشف أني أختار اللعبة التي أشتريها لأولادي هي نفسها اللعبة التي أتمنى أنا أيضا أن ألعب بها وأستمتع كما الأطفال، لا فرق!
عندما نقفز في المسبح، أو نتعلم رقصة، أو نرسم، أو نشارك في ألعاب الكرة الجماعية ومغامرات الأطفال المرحة، إنما نفعل أكثر من مجرد الاستمتاع. نحن نُعزز الروابط ونبني الثقة. ومن الضروري على الدوام توفير هذه الفرص في الأوقات الجيدة، لنُرسخ هذه الأنماط ونُطبّقها، فهي ضرورية في الأوقات الصعبة.
ستكون الأوقات صعبة دائما، إنها جزء لا مفر منه من تحديات الحياة، ووظيفتنا كبالغين ليست منع الأطفال من مواجهة التحديات، بل مساعدتهم على الاستعداد للتعامل معها. فكيف تضمن لطفلك اللعب يوميًا؟ هذا هو السؤال الذي لا يرتبط بأموال تملكونها ولا مستوى تعليمي تمتازون به بل يمكن البدء بخطوات صغيرة. وإذا انتابنا شعور بضيق الوقت، فلنخفض من الوقت المستغرق أمام الشاشة. وليس لدي شك في أن لدى كل واحد منا 30 دقيقة على الأقل يمكن تخصيصها للاستمتاع مع أطفالنا.
أظن وعن تجربة أن شيئًا بسيطًا مثل تشغيل الموسيقى المحببة للأطفال والرقص جماعيا على نغماتها يُخفف من حدة التوتر ويُقربنا من بعضنا البعض. مع الأطفال الأكبر سنًا، قد يكون تفكيك لعبة مثل السيارة وإعادة تركيبها يمكن أن يُضفي عليهم متعة كبرى، أو زرع نبتة في قصرية وريها بالماء قد يمثل مغامرة حقيقية.
ومن أهم العناصر المحفّزة للأطفال الأكبر سنا هي محاولة إضفاء جو من المرح. قد يكون الاشتراك في إعداد طبق من الطعام المفضل أو الحلويات المحبوبة أجمل الفرص لتبادل الحب بل وللعتاب أحيانا على سلوكيات غير مرضية في جو من المرح. وقد يكون فرصة أيضا مواتية لتعلّم كلمات جديدة مستوحاة مما نقوم بإعداده وبلغات أخرى. في كل الأحوال هذه فرص يجب استغلالها لقضاء بعض الوقت اللطيف مع الأطفال ودون ضغوط الدراسة والتربية "الكريهة" القائمة على الأوامر والتلقي وردود الفعل بما في ذلك التمرد، وبدلا من ذلك إقامة تواصل إيجابي في جو من المرح لا تنقصه الجدية والتعلم.
ولن تحتاج لمعرفة مدى التأثير الذي نجحت في تحقيقه، وفي وقت قصير؛ فسيُخبرك الأطفال عن مدى استمتاعهم وتعلمهم وإذا كانوا بحاجة إلى شيء أكثر من ذلك. أعلم أنه أمر صعب عندما يكون لدينا عشرات المهام التي تسيطر على تفكيرنا وتشغل بالنا، ولكن في الحقيقة، لا شيء أكثر تأثيرًا من علاقتنا بأطفالنا. واختيار اللعب هو اختيار الفرح والتواصل والمرونة. إنه اختيار رؤية الطفولة كوقت ثمين ومهم. وهذا يُظهر للأطفال، من جميع الأعمار، أنهم يستحقون وقتًا ليكونوا فضوليين، مرحين، شجعان، وأحرارًا.
لذا، في هذا اليوم العالمي للعب، دعونا لا نكتفي بالحديث عنه؛ دعونا نختار اللعب، كل يوم. إنه من أبسط وألطف الخيارات التي يمكننا اتخاذها وتأسيس ذاكرة مشتركة لا تمحي بل توطد العلاقة وتستثمر في المستقبل!











06/10/2025 - 14:55 PM





Comments