حوار خاص لصحيفة بيروت تايمز
الأب الدكتور نبيل مونس هو مؤسس اللجنة اللاهوتية للسلام في لبنان وراعي كنيسة سيدة لبنان المارونية في ولاية أوكلاهوما الأميركية. لديه اهتمام كبير باللاهوت والفكر الديني، ويكتب مقالات تتناول مواضيع روحية وفلسفية، مثل مفهوم القيامة وتأثيرها على البشرية.
يتناول في كتاباته قضايا الهُوِيَّة الدينية والتاريخية، حيث يناقش شخصيات دينية بارزة مثل القديس شربل والبطريرك يوحنا مارون والبطريرك إلياس الحويك والبابا الراحل فرنسيس، مسلطًا الضوء على دورهم الكبير في تشكيل الهُوِيَّة المسيحية في المنطقة.
وفي لقائي اليوم مع الأبُّ الفاضل الدكتور نبيل مونس، قلت له: إنه لشرف وايمان كبير أن نلتقي اليوم معك، حاملًا مشعل الفكر اللاهوتي، ناشرًا نور الإيمان، ومجسدًا رسالة السلام والمحبة في عالمنا المضطرب.
كلماتك وتعاليمك ليست مجرد أفكار، بل هي يَنبوع للحكمة والتأمل، ننهل منها لنرسم طريقًا أكثر قربًا من الحقيقة الإلهية، في زمن يغلب عليه الضجيج والارتباك، تبقى رسالتك دعوة للعودة إلى عمق الإيمان، إلى جوهر القيامة والحياة الروحية، حيث نجد المعنى الحقيقي للوجود. فإن كلمتك ليست مجرد حبر على ورق، بل شهادة حية على عمل الله في قلوب المؤمنين.
والى الحوار الشيق:
في بداية لقائي معك أحب ان أناديك ابونا نبيل دائمًا، وأتمني عليك ان تخبر قراء بيروت تايمز ببعض المعلومات عن ولادتك وطفولتك؟
ولدتُ في قرية الشبانية إحدى القرى اللبنانية - قضاء بعبدا في محافظة جبل لبنان، في زمن ما زال يُسمى "الزمن الذهبي"، كان منزلنا في قلب الضيعة، بالقرب من كنيسة السيدة، التي أصبحت لاحقًا ملجئي الروحي والثقافي والرياضي.
ساحة القرية كانت ملعب طفولتي، شاهدةً على أفراحنا وأتراحنا. ولكن، لبنان في ذلك الحين كان يعاني من الاضطرابات السياسية والثورات القومية والحواجز الطائفية، حتى ولادتي لم تخلُ من المخاطر، إذ خاطر والداي بحياتهما لينقلاني إلى مستشفى بعبدا الحكومي كي أرى النور.
منذ صغري، طُبعت في داخلي مشاعر الحذر والدفاع عن الوجود، في قريتي، كان جدي، المونسنيور يوسف مونس، خادم الرعية، يتمتع برهبة كبيرة حتى على الأطفال، بحسب شهادة الأقرباء، ومع ذلك، فإنني منذ صغري آمنت بكلمات يسوع: "دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم".
عن الاحداث والصراعات خلال تلك الايام قال الاب مونس
مرت السنوات، وعاصرت أحداث الانقلابات والصراعات العربية - الإسرائيلية والانكسارات الوطنية، أذكر جيدًا كيف كنا نجبر على دهن نوافذ المنازل باللون الأزرق ونسمع أصوات الطائرات المقاتلة فوق رؤوسنا. كان الخوف يسكننا منذ الطفولة، وكانت الأخبار والراديو والصحف مصادرنا لفهم ما يجري حولنا من تحولات تاريخية مرعبة.
ومنذ ذلك الحين، وجدت ملجئي في قراءة التاريخ والإنجيل، أبحث عن معنى يتجاوز الألم والموت. رغم كل الصراعات الطائفية والسياسية التي عشناها، بقيت وفياً لصداقاتي مع أصدقائي من الدروز والمسلمين، الذين كانوا رفاق مقاعد الدراسة ولعب الطفولة. كانت كلمة يسوع “الله محبة” ترنّ دوماً في ذهني، منقذةً إياي من السقوط في هاوية الكراهيَة والعداوة.

ابونا نبيل، بمن تأثرت في صغرك
تأثرت منذ صغري بجدي وجدتي وعمي القسيس الأب يوسف مونس الذين زرعوا في قلبي محبة الكتاب المقدس والمسبحة اليومية، كما كنت أشارك في خدمة القداس اليومي في كنيسة السيدة، حيث نما في داخلي حلم الدعوة إلى الكهنوت أو الحياة الرهبانية، متأثراً بكاهن رعيتي المونسنيور أنطوان أبي يونس وعمي الراهب.
لم أذق طعم "بُحْبُوحَة" لبنان المزدهر إلا لمامًا، إذ سرعان ما اندلعت الحرب اللبنانية بكل مآسيها، مع ذلك، لم تنجح الحرب في قتل الأمل أو إطفاء نور الثقافة والمعرفة في قلوبنا. درسنا على ضوء الشموع، صلينا تحت القصف، وجففنا دموعنا على أمل أن ينتصر الحق، مؤمنين أن المسامحة ليست ضعفاً بل قوة روحية عظيمة.
عمي الأب يوسف مونس كان رمزاً لهذا الصراع النبيل، مناضلًا على المنابر وفي الجامعات والمحافل الأكاديمية والسياسية والدبلوماسية، صادحاً بضرورة الحوار والتلاقي بين الأديان والحضارات، مدافعاً عن لبنان كوطن للقاء وضمانة للسلام.
وسط هذا المخاض، كانت المعركة الوجودية تتبلور في داخلي: ما معنى الحياة؟ هذه التساؤلات دفعتني إلى كتابة كتابي الأول “علامات استفهام”، صرخة قلب متألم يبحث عن الله وسط الحروب والدمار.
أين تلقيت تعليمك الديني والأكاديمي؟ وما هي التحديات التي واجهتها خلال دراستك؟
تابعت دراستي الفلسفية واللاهوتية، فحصلت على إجازة الدراسات العليا في علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) حول الطقوس الليتورجيا، وأطروحتي الفلسفية حول الموت والحب في فكر غبريال مارسيل، التي حازت على تقديم الفيلسوف الكبير بول ريكور.
أكملت دراستي في جامعة الروح القدس الكسليك ومن ثم في جامعة السوربون في العاصمة الفرنسية باريس، نشرت مقالات عدة أبرزها "صراخ في الحياة"، بحثت فيها عن المعنى العميق للوجود الإنساني، ورغم انجذابي في البداية للأفكار الثورية والتحررية، أدركت مع الزمن أن التقدم الحقيقي لا يكون بالنقض أو بالشك القاتل بل بالتواضع، بالحوار، بالبحث المشترك، وبالمحبة.
بين الوطن والمهجر: الكنيسة كمؤسسة ورسالة
في الوطن، أصبحت الكنائس والأديرة صروحًا للعلم، ومدارس للوطنية، ومنارات للأخلاق والمعرفة. أما في المهجر، فقد قادني الروح القدس إلى تأسيس الكنائس والمدارس من مدن سان دييغو إلى فينكس، ومن كولورادو ونيفادا إلى ساكرامنتو، ووسكنسن، وأخيرًا إلى نورمان – أوكلاهوما، بعد محطة عميقة في فرنسا شملت بوردو وتولوز ولورد.
كل هذه المؤسسات بُنيت على صخرة الإيمان، بالبركة والتضحية والعطاء. هناك، أنشأت مدارس لتعليم اللغة العربية، ومراكز للثقافة والبحوث، ومدارس أحد للشبيبة. بعضها استمر ويشعّ حتى اليوم، وبعضها توقّف أو تغيّر.
عن الفكر والثقافة والكتابة قال ابونا نبيل
الصراع الفكري والثقافي الذي يؤدي إلى الإلغاء أو الإقصاء لا يفضي إلا إلى الفراغ واليأس والانتحار. لذا، أنادي شباب اليوم: لا تنخدعوا بمن يروجون أن الحرية تعني تدمير القيم أو أن الحداثة تمر عبر الإلحاد أو النفي.
الكون منظم بدقة لا متناهية، وهو معلق بيد الله الخالق المحب. كل وجود، منظور أو غير منظور، إنما هو انجذاب إلى الحب الأزلي الذي تجلى بوضوح في صليب المسيح.

الأب الدكتور نبيل مونس لديه العديد من الكتابات والمقالات التي تتناول مواضيع دينية وثقافية وتاريخية. من بين أعماله الهامة:
كتاب في اللاهوت بعنوان "لاهوت الصليب"، الذي قدم له الكاردينال ديكورتريه.
"بطريركا الهوية – البطريرك يوحنا مارون والبطريرك إسطفان الدويهي"، وهو كتاب يتناول دور هذين البطريركين في تاريخ الكنيسة المارونية.
كتاباته ومقالاته المنشورة في عدة صحف ومواقع صحفية ومن بينها صحيفة "الديار"، حيث يناقش قضايا سياسية واجتماعية ودينية مختلفة.
مقالاته في صحفية "بيروت تايمز"، يتحدث فيها عن الأيمان واللاهوت والقيم الإنسانية وتجربته في أميركا وخدمته للجالية اللبنانية والعربية هناك وصلاته لهم.
بذور النور والمحبة في الأرواح المتعطشة
يضيف ابونا نبيل: أكتب اليوم لأزرع بذور النور والمحبة في الأرواح المتعطشة إلى الحق والجمال، وأذكر بسلسلة مقالاتي "اعرف الحقيقة"، لأشهد أن الإنسان هو جوهر الحب الإلهي، وأن خلاصنا يبدأ عندما نصغي إلى نبض قلب الآخر المختلف عنا.
أكتب لأن العالم بحاجة إلى سماع صرخة الحب قبل أن يفوت الأوان. شكرًا لمنبركم الحر، الذي يتيح للنداءات الصادقة أن تصل إلى شواطئ العالم الحر.


دعوة ومسيرة: من الجذور إلى الرسالة
وفي حديث الاب الدكتور نبيل مونس لـ "بيروت تايمز" عن العبور إلى العالم الجديد، بدايةً إلى فرنسا ثم إلى أميركا، لم يكن رحلة سياحية أو انتقالًا مهنيًا، بل كان دعوة من الرهبنة اللبنانية المارونية – رهبنة مار شربل – التي أُرسلتُ بموجبها لمتابعة الدراسات اللاهوتية ونيل درجة الدكتوراه، كي أعود وأكمل رسالتي التعليمية التي بدأت منذ سنين في الإكليريكية والجامعة. لكن الروح يهب حيث يشاء، ويقودك أحيانًا إلى حيث لا تشاء. المهم أن تبقى أمينًا للمسيح، راسخًا في الإيمان، مشتعلًا في حب الرسالة.
في تربيتنا الرهبانية والإنسانية والمسيحية، نُعطي الأولوية للحفاظ على الجذور والهوية، والبشارة المتجددة. فبينما وجودنا في لبنان مهدّد، يبقى التحدي الأكبر في المهجر هو الذوبان والانحلال.
للشبيبة: لا تخافوا، أنتم أبناء القيامة
أقول للشبيبة في الوطن أو في الغربة: لا تتراجعوا أمام الصعوبات أو الأخطاء. كل مشكلة لها آلاف الحلول، وكل مصيبة أمامها أبواب رحمة مفتوحة. نحن أبناء القيامة. قم، الله يقوم معك. ابحث في داخلك، واقرع أبواب السماء، ولا بدّ أن يستجيب لك أحد، لأنك خُلِقت من الحب وتعيش بالحب وتشتاق للحب، وسترحل إلى الحب الأبدي. تمسّكوا بالإيمان، لا تتخلّوا عن الرجاء، وعيشوا المحبة في كل شيء. هذا هو النصر الحقيقي.

يد مريم تقود المسيرة
منذ دير سيدة المعونات في جبيل، كان الحلم حاضرًا، ولم تقطعه الحرب، ولا علوم فرويد، ولا التأويلات الفلسفية. لقد أمسكت بي يد أم الله، ورافقتني من بلد الأرز إلى باريس، إلى مدينة سان دييغو، فمدينة ساكرامنتو، ثم إلى بوردو ولورد، وأخيرًا إلى نورمان.
في كل محطة، لمستُ حضورها العجيب. في سان دييغو، حيث أسسنا مزار أم الحياة، بدعم من عائلات مؤمنة، نهضت كنيسةٌ وسط الزلازل والحدود. السماء باركتها من العلاء بإكليل نوراني. في مدينة ساكرامنتو، ظهرت علامة القلب الإلهي يوم تدشين المزار. وفي فرنسا، رغم الصعوبات، بُني مزار سيدة النجاة في نهار واحد تحت قوس قزح مزدوج، كعلامة سماوية.
نورمان – أوكلاهوما: مزار جديد في زمن الرحمة
أضاف الأب الدكتور نبيل مونس في لقائه مع "بيروت تايمز" حيث "قال لي المَطْرَان إنني سأُرسَل إلى رعية صغيرة في منطقة نورمان، فتساءلت داخليًا: هل من جديد؟ لكن صوتًا داخليًا همس لي: 'هنا، في قلب أميركا، ارفع لي مزارًا جديدًا، مزار أم المراحم'. "لم أُصرّح بهذا النداء، لكن الغَيْرَة الروحية اشتعلت، وبدأت أستشير المقرّبين والمجلس الرعوي، ورغم العوز المالي الذي تعاني منه كنيستنا، والديون، وجائحة كورونا، بدأت النعَم تتدفّق، المهندس جيرار الجزار من لوس أنجلوس قدّم عمله مجانًا، والنحات دانس قدّم النموذج الأول (الماكييت)، وتدفقت التبرعات تلقائيًا من الأحبة في ولايات كاليفورنيا وكولورادو وأوكلاهوما.
في كل مرّة كنت أتردد أو أخاف، كانت العذراء تبعث بعلامة، تثبت أن المشروع مشروعها، وأنها والرب هما من سيبنياه، ليكون علامة خلاص لكل إنسان، حتى في مدينة جامعية صغيرة.

زمن الرحمة: رسالة إلى العالم من أم المراحم
في مسيرة بناء هذا المزار، تعمّقت أكثر في سر الرحمة الإلهية. لقد أراد الرب أن تكون للعالم أم، اسمها مريم، وأراد أن يعلن رحمته عامًا بعد عام، خصوصًا للباحثين عن الخلاص.
إن ارتفاع هذا المزار هو نشيدٌ جديد في قلب العالم الحر، علامة فارقة بأنّنا دخلنا زمن الانعطاف الكبير نحو الرحمة والسلام. مريم قلبت موازين القِوَى، ودمرت إمبراطوريات الشر والحرب، وقادتنا إلى زمن الحياة.
الخاتمة: فلنُصلِّ مع مريم… أم يسوع وأمنا
وفي كلمة الاب الدكتور نبيل مونس لـ "بيروت تايمز" عن زمن الأزمات والتحديات، يبقى صوت مريم يرتفع معنا، ينادينا للعودة إلى الله، من مدينة نورمان، من مزار أم المراحم، لنرفع نشيدنا معها: "تعظّم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلصي"….













05/13/2025 - 13:56 PM





Comments