الكولونيل شربل بركات
كان النظام الإيراني اعتمد منذ الخميني على إثارة النعرات المذهبية بين السنة والشيعة، كوسيلة لاستغلال سذاجة البعض واستعمالهم في خطته التوسعية الهادفة للسيطرة على حقول النفط في الخليج العربي، وبالتالي استعادة عز الامبراطورية الفارسية التي بسطت سلطتها يوما على الشرق الأوسط؛ من أفغانستان اليوم في وسط أسيا على حدود الهند والصين شرقا، ومن سواحل البحر الأسود في البلقان شمالا وأطراف اليونان نزولا حول ساحل المتوسط الشرقي إلى مصر والسودان وليبيا غربا، مع كامل الجزيرة العربية حتى اليمن وعمان جنوبا. ومن ثم قام داريوس الكبير ثالث أباطرتها بتنظيم هذه الأمبراطورية، إن بالنسبة للادارة المباشرة، بتعيين نواب الملك في المناطق المحتلة، وانشاء جيوش محلية لضبط الأمن، وربطها بطرق برية تزيد سرعة تنقل القوات ووصول المعلومات إلى العاصمة، أو بانشأ جهاز مخابرات يسهم بمعرفة ما يدور على الأرض وما يقوم به نواب الملك في المناطق. وهو أول تنظيم محكم وصلنا من التاريخ القديم.
أما النظام الإيراني الجديد، الذي اعتمد على نظرية الولي الفقيه لمنع أي محاولة تغيير بالحكم، فقد تبنى شعار تحرير القدس لاحتواء مشاعر العداء عند جيرانه العرب، ما مكنه من التدخل في دول عدة والسيطرة على أربعة عواصم في المنطقة بانشاء فيلق القدس في الحرس الثوري، الذي نظّم ميليشيات مسلحة في هذه الدول أصبحت أذرعه الفعلية التي يحارب بها ويتدخل بواسطتها في اي مكان.
قام الحرس الثوري بتدريب هذه المليشيات وأدلجتها وربطها المباشر بنظام طهران، ومن ثم خلق لها شعورا بالتميّز عمن حولها، وذلك بالتشديد على الولاء لآل البيت وترداد تاريخ الظلم الذي تعرضوا له، ومن ثم الشعور بالتفوق بامتلاك السلاح والتدريب والتحضر للمعركة. وقد أطلق شعار العداء “للشيطان الأكبر” أي الولايات المتحدة و”الشيطان الأصغر” اي اسرائيل، ولذا أراد أن يمتلك سلاحا يمكّنه من مناوشة القوى العالمية لكي يحمي طموحاته في الشرق الأوسط، واختار المشروع النووي الذي كان الشاه بدأ به منذ الستينات ليكون أحد مصادر الطاقة السلمية، مثل تلك المعمول بها في عدة دول حول العالم. ولكن الأمر اختلف هنا، حيث صمم المشروع بشكل أوسع تخوّف منه الكثيرون. ثم بدأ النظام يستقدم علماء إيرانيين درسوا بالخارج للعمل في هذا البرنامج، ما أثار نوعا من القلق في أوساط عالمية كثيرة حول امكانية أن يتحول هذا المشروع إلى انتاج السلاح النووي، فقررت الأمم المتحدة مراقبته عن قرب.
لن نتكلم بالتفصيل عن كل ما جرى، من الاتفاقات وعدم التقيد بها ولا بتطوير صناعة الصواريخ خاصة البالستية القادرة على حمل الرؤوس النووية، ولكننا سنذكر بأن رئيس حكومة اسرائيل السيد نتانياهو اعتبر منذ ما قبل ما سمي بالاتفاق النووي المعقود أيام أوباما بأن إيران تسعى إلى امتلاك السلاح النووي، وهذا ما يشكل تحديا وجوديا لمستقبل اسرائيل.
عرف الإيرانيون أن يلعبوا على السياسات الداخلية للولايات المتحدة، وتجنبوا المراقبة الشديدة للمشروع ومنع التخصيب العالي، والذي يسمح بالحصول على السلاح النووي. ولكن اسرائيل، التي خافت من هذا السلاح وامكانية امتلاكه من قبل النظام الإيراني، سعت لاقناع بعض الدول المتضررة من السيطرة الإيرانية مثل دول الخليج العربي لنسج علاقات سلمية، فكانت الاتفاقات الابراهيمية، التي فتحت الطريق لتعاون جدي بين دول الخليج العربي واسرائيل، ثم توسع ليشمل مواضيع التجارة العالمية، ما أزعج نظام طهران فدفع لتفعيل أحد مشاريعه العسكرية حيث نفذت “حماس” هجوما مفاجئا في غزة تمكن من خرق الأنظمة الدفاعية الاسرائيلية بشكل قاتل أدى إلى ردة الفعل العنيفة التي قامت بها اسرائيل، ما تسبب بتوقف المسار السلمي الذي كاد أن يشرك المملكة العربية السعودية بمشروع السلام هذا.
بالفعل تمكن النظام الإيراني بتلك الضربة أن يقضي على أحلام السلام التي توقفت، ولو مؤقتا، لضراوة القتال وعدد الاصابات وكمية الدمار التي لا توصف. ولكنه لم يكتفِ بهذا القدر بل سعى لإظهار أهمية وقدرة أذرعه في المنطقة؛ فبدأ حزب الله اللبناني بما أسماه “حرب المساندة” وضرب الحوثيون حصارا على البحر الأحمر وتبعهم الحشد الشعبي العراقي باطلاق الصواريخ على اسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة لتفعيل مبدأ “وحدة الساحات”.
كان حزب الله في لبنان تحضّر، تحت اشراف الحرس الثوري منذ انتهاء حرب 2006 وسيطرته على الساحة السياسية، بتجهيز الأنفاق والمخازن والصواريخ والتخطيط والتدريب للقيام بمفاجأة اسرائيل من جنوب لبنان، وذلك باجتياز الحدود ومهاجمة “العدو الصهيوني” وتكبيده خسائر فادحة بالرجال والعتاد وخطف رهائن مدنيين كما حدث في غزة، ما سيؤدي إلى انهيار في المعنويات خاصة على المستوى الشعبي ويستدعي تدخل دول العالم والعمل على وقف اطلاق نار يعطي إيران المكان الأول في المفاوضات على طاولة تقسيم النفوذ المرحلي في الشرق الأوسط بانتظار المراحل القادمة والتي، بنظر نظام الملالي وتخطيطهم، ستؤدي لاسقاط الأنظمة العربية في المنطقة والسيطرة الكاملة على المقدرات الأساسية فيها.
أما اسرائيل التي شعرت بخطر التنظيمات الارهابية وبوجود نظام متشدد يديرها ويدعمها بالسلاح والتخطيط، وحتى التدخل المباشر، قررت أن هذه المعركة مع الارهاب هي معركة وجودية يجب أن ينتهي فيها خطره على الكل ويتحجّم دور نظام الملالي ومنعه من السيطرة على جماعات مختلفة حول المنطقة. ومن هنا ضراوة القتال، أولا في غزة لأنها خاصرة اسرائيل الضعيفة، ومن ثم وبعد الانتهاء منها في لبنان حيث درة تاج التنظيمات الإيرانية وقمة التحضيرات الخطرة على سكان اسرائيل وهيبتها.
رأى الكل ما جرى ولا يزال يجري على الساحة اللبنانية من تدمير للبنى التحتية وقواعد الارهاب؛ كمخازن الصواريخ والأسلحة المكدسة بين البيوت ومراكز القيادة وملاجئ العمليات وحتى البنية التمويلية التي اعتمد عليها الحزب، وكلها تجمعت تحت المساكن والمساجد وحتى المستشفيات، ليس فقط في الضاحية الجنوبية لبيروت بل في كل المناطق الموالية لهذا الحزب. من هنا الضربة الكبيرة التي تعرضت لها الطائفة الشيعية في البقاع، البعيد عن جبهات القتال، وبالطبع الجنوب الذي اعتمد كساحة معركة وحضّر ليكون منطلق للعمليات العسكرية بدون أي حساب لمصالح الناس، لأن هؤلاء بنظر الحزب وأسياده الإيرانيين ليسوا سوى أرقام لا تعطي لها أية أهمية.
لم يكن النظام الإيراني يرغب بالمواجهة المباشرة، خاصة على أرضه، فهو كان يكتفي فقط باللعب بالأذرع طالما نتائج القتال تقع عليهم ولا تمس الرعايا الإيرانيين بضرر. من هنا الأوامر بالقتال المحدود ولكن الممكن استخدامه لزيادة التوسع، فلا يجب أن يؤدي إلى الهزيمة الكاملة، فطالما بقي من يطلق النار بعد اعلان وقف القتال فإنه من الممكن استعادة الأنفاس واعلان النصر والبناء عليه للمستقبل، كما حصل في 2006 وغيرها من المواجهات. من هنا حاول نظام الملالي البقاء خارج اللعبة والاكتفاء بقيادة مسرح العمليات في لبنان مهما كانت الخسائر. ولكن الاسرائيليين الذين قتلوا رموزا مهمة، خاصة قيادة حزب الله العسكرية والسياسية بكاملها، واستهدفوا بعض الضباط القادة في الحرس الثوري، اضطروهم إلى التدخل بشكل مباشر والاعلان عن اشتراكهم بقصف صواريخ ومسيرات على اسرائيل، وذلك للحفاظ على ماء الوجه أقله بين مليشياتهم الذين يقتلون كل يوم بدون شفقة.
كان الإيرانيون يعتمدون على المجتمع الدولي والضمير الغربي الذي لن يتحمل ما يقوم به الاسرائيليون من تدمير للأحياء السكنية، ومن هنا اعتمادهم تخزين القذائف والصواريخ وغيرها من المواد القتالية بين البيوت لكي تؤدي إلى الاضرار بالسكان، ما يعطي مادة يتلقفها الاعلام المتعاطف معهم ليثير الشوارع ويخلق الضغط على الحكومات للتدخل من أجل حماية المدنيين. ولكن خطتهم لم تنجح ولم يؤدي الضغط إلى توقف الاسرائيليين، لا بل عمل هؤلاء على التخلص من العناصر القيادية على كافة المستويات واستنزاف المخزون الصاروخي للحزب،
ولذا اضطر جماعة الحرس الثوري إلى الاشتراك الفعلي والمباشر بشكل أو بآخر. وهنا جاء الرد الاسرائيلي مدروسا ومتدرجا، وقد أخذ بعين الاعتبار استدراجهم أكثر فاكثر للوقوع بفخ الحرب المباشرة. ثم قام الاسرائيليون، بعد كل الاستعدادات والتدريبات اللازمة، بتأمين خلو الأجواء الإيرانية من الحماية، وقضوا في نفس الوقت على صناعة الصواريخ البعيدة المدى وحتى على انتاج المسيرات القادرة، ما جعل المراكز النووية والمنشآت النفطية والثكنات العسكرية ومصانع الأسلحة، كلها مكشوفة تنتظر القرار الاسرائيلي بالضرب. وها هو “الشيطان الأكبر”، والذي لم يتدخل حتى الآن بالعمليات العسكرية مدعيا انشغاله بالانتخابات الرئاسية، يشعر بضرورة مشاركته وإلا فقد يخسر هو عامل التأثير على مستقبل المنطقة. ومن هنا أرسل المدمرات الكبرى B 52 التي ستتكفل بانهاء أي نوع من الرد الإيراني والذي يمكن أن يستهدف مراكز انتاج الطاقة في منطقة الخليج العربي والتي قد تؤدي إلى أزمة طاقة عالمية.
الإيرانيون هم من اخترع لعبة الشطرنج ولعبوا بالكل طيلة أكثر من خمس وأربعين سنة وهم تمكنوا دوما من التخلص من الخسارة كون اللاعبين في المواجهة كانوا عاديين أو غير متمرسين باللعبة، ولكنهم اليوم يواجهون لاعبي عصر AI وقد يكون هؤلاء أذكي بقليل منهم أو أنهم يحسبون كل الحسابات الممكنة بشكل أسرع. فهل “ستقع البقرة هذه المرة ويكسر السلاخون” أم أن نظام الملالي لا يزال يملك بعض الأوراق التي قد تقيه ذل الاستسلام بدون أن تعطيه شرف الاستشهاد كما حصل مع السيد حسن وربعه؟.










11/03/2024 - 17:42 PM





Comments