خليل الشيخة
رمتني ذاكرتي بعيداً إلى المرحلة الابتدائية، وللذاكرة نشاط غريب وعجيب في التوقف عند مراحل عمر بذاتها، الساخر منها والجدي.
أرسلت مرة وزارة التربية فوجًا جديدًا من طلاب دار المعلمين بغية التدريب قبل التخرج. دخل علينا شاب نحيل الجسم مستطيل الوجه، بشعر يلمع من كثرة الزيت، مرتديًا بنطالًا ضيقًا كاد أن ينفتق من شدة التصاقه بجسمه. زيادة على نحالته، غلب عليه السمرة وتوسط وجهه أنف طويل، فبدا كل ما فيه ساخرًا. أمسك طبشوراً وكتب على اللوح "برودة الماء في الخابية".
التفت إلينا قائلًا بلهجة ريفية ثقيلة: اليوم سنتحدث عن السبب في حفظ الماء بارداً في الجرة.
ثم تحدث ما يقارب النصف ساعة عن الجرة وقال أن الثقوب فيها تسمح للماء بالنفاذ والتبخر لأنها مصنوعة من مادة الصلصل، وكي يتأكد من فهمنا، اختار ولدًا في آخر الصف كان نائمًا، وأمره بأن يشرح سبب تبريد الماء في الخابية.
وقف التلميذ وعرك عينيه، ثم التفت حوله عسى أن يجد جوابًا عند أقرانه. فسمع كلمة دراخيش من جاره. فمد قامته بثقة وقال: السبب أن الخابية تبرد الماء، هو كثرة الدراخيش فيها.
هنا سال الأستاذ مستغربًا: ممكن أن تشرح لنا معنى دراخيش، فأجاب ولد آخر: الدراخيش معناها الثقوب أستاذ.
هنا، لاحت علامات الغضب على وجه الاستاذ المتدرب وقال مستنكراً: شو دراخيش ولا.. دراخيش في بيتكم .. قلنا ثقوب.. ولا.. جحش.
وعند سماع كلمة جحش، ضج الصف بالضحك وكأن الأولاد يشاهدون مسرحية هزلية، فصرخ الأستاذ المتدرب مستنكرًا ثم التفت إلى الخلف فضربت قدمه بحافة المصطبة الأمامية مما أفقده توازنه، فوقع على الأرض وانفتق بنطاله، فتجدد الصخب والضحك.
قام الأستاذ وقال غاضباً: اخرسوا ولا .. جحوش (يعني جحاش أو حمير) الإنسان الذي يفتقر التربية في بيته، أكيد هو قليل أدب هنا.. يلعنكم ويلعن شكلكم، جحوش.
انتهى الدرس وغادر الأستاذ المتدرب، لكن ظلت كلمة دراخيش ماثلة أمام الطلبة الذين أتو للمدرسة بغية المسخرة وليس العلم، فلقبوا الولد النائم في الصف بدراخيش. ثم بدأت مسرحية جديدة مع دراخيش هذه، اذ أنهم كلما أرادوا أن ينادوا الولد الكسول، يصيحون بأعلى صوتهم " دراخيش"، فيغضب التلميذ ويركب رأسه شيطان، فيخلع نعله ويقذفه بأقصى قوته على مصدر الصوت، ثم يطارده بنعله الآخر في ساحة المدرسة، فتشهد المدرسة معارك ضارية وقد يخرج الولد المستهزئ بنصف أذن بسبب أن دراخيش كان بارعاً بعض الأذان.
بعد مدة من الزمن كاد دراخيش يرضى بالاسم على مضض، إلا أن كرامته دائماً كانت الحائل. كان يقف بجانبي غاضباً معربداً من أقرانه ومتشكياً أحياناً أخرى.
لاقت صداقتي مع دراخيش عدم استحسان من بقية تلاميذ الصف، لكنه كان ممتناً لهذه الصداقة النادرة التي لا تنجر وراء الغالبية في الاستهزاء والسخرية من الآخرين.
حدث مرة أنه أزعجني في أمر، فقلت له محذراً: اسمع يا دراخيش.. فالتفت إلي وكأنه يراني لأول مرة، وبانت عليه علامات الغضب ثم الخيبة والحزن، ونطق متلعثماً: حتى أنت تقول هذا! ولو عرف قصة القيصر وبروتس لقال "حتى أنت يابروتس!" ومشى مغادراً المكان بحزن، ولما شاهدت حزنه، كبر الأمر في نفسي وشعرت بالأسف على ما قلت، فركضت إليه وأعلنت أسفي ثم قبلت رأسه، ومن ذلك اليوم أصبحت أعز اصدقاءه في المدرسة.
مرت سننون طويلة، كان كلما يراني في الشارع يعزمني على كوب من الشاي ويشدني من يدي ويقسم علي أن أشرب ابريق الشاي كله.
وبعد سنين طويلة عدت إلى الوطن، فشاهدت دراخيش في إحد شوارع المدينة يمشي، فتوقفت وسلمت عليه، وفرح برؤيتي وأقسم علي أن أذهب معه للغداء، فاعتذرت. وبعد الوداع، قال لي إذا لزمك شيء من البلدية بس تعال لمكتبي، فأنا أعمل هناك. فعرفت أنه أصبح مسؤولاً في الحكومة بعد البهدلة التي مني بها في بداية عمره.











10/18/2024 - 08:21 AM





Comments