الوجود المسيحي في الشرق: بين الأرض التي تُزرع… والأرض التي تُترك

08/25/2026 - 14:39 PM

Jonathan Amireh

 

 

تحقيق خاص من اعداد الاب البر حبيب عساف

في لحظة تاريخية فارقة، يقف الوجود المسيحي في لبنان والشرق الأوسط أمام منعطف حاد لم يعد ممكناً تجاهله أو التعامل معه بخفة. فالمسيحيون الذين كانوا يوماً صانعي نهضة المنطقة، ومؤسسي مدارسها وجامعاتها وصحفها ومؤسساتها، يجدون أنفسهم اليوم في سباق مع الزمن للحفاظ على ما تبقى من حضورهم، ليس خوفاً من الآخر، بل خوفاً من الانقراض البطيء الذي يصنعه النزيف الديموغرافي، الانهيار الاقتصادي، التحولات العالمية، وتفكك المجتمعات التقليدية التي كانت تشكل لهم مظلة حماية طبيعية. هذا التحقيق ليس دعوة إلى الهلع، بل إلى اليقظة، إلى الاستيقاظ الروحي والعملي، إلى إعادة قراءة الواقع كما هو، بعيداً عن المجاملات والإنكار، لأن السنوات المقبلة، وصولاً إلى 2030، ستكون الأكثر حساسية في تاريخ المسيحيين في الشرق منذ قرون.

لقد تراجع الوجود المسيحي في الشرق الأوسط من نحو خمس سكان المنطقة قبل قرن إلى أقل من أربعة في المئة اليوم، فيما يعيش لبنان أكبر موجة هجرة مسيحية منذ الحرب الأهلية، ما يطرح سؤالاً وجودياً حول قدرة هذه الجماعة على البقاء كقوة مؤثرة في أرضها. الأسباب كثيرة، تبدأ بالحروب المتتالية، مروراً بانهيار الدول الوطنية، وصعود الأنظمة العقائدية، والتهجير القسري في العراق وسوريا، وصولاً إلى الانهيار الاقتصادي في لبنان وتراجع معدلات الولادة، لكن الأخطر من كل ذلك هو فقدان القدرة على إنتاج مجتمع مكتفٍ بذاته، قادر على الصمود، وعلى حماية نفسه من التحولات العميقة التي تضرب العالم.

ومع اقتراب عام 2030، تتقاطع ثلاثة مسارات عالمية تهدد المجتمعات الصغيرة ومنها المسيحية: أولاً، التحولات الاقتصادية التي تطيح بالطبقة الوسطى وتزيد تركّز الثروة في يد قلة؛ ثانياً، التحولات التكنولوجية التي تجعل الإنسان مكشوفاً أمام أنظمة مراقبة رقمية متطورة، وتضع الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية في قلب الحياة اليومية؛ وثالثاً، التحولات الغذائية التي تجعل الأمن الغذائي رهينة الشركات الكبرى، فيما يتحول الغذاء نفسه إلى أداة سياسية واقتصادية. هذه الاتجاهات ليست نظريات، بل وقائع تتسارع، ويشير إليها خبراء عالميون، بينهم شخصيات مثل إيلون ماسك، الذي يحذّر من أن التكنولوجيا قد تتحول إلى منظومة تسيطر على الإنسان بدل أن تخدمه، وهو ما يصفه البعض بـ"أجندة الوحش" التي تهدد حرية البشر وكرامتهم.

في مواجهة هذا الواقع، لا يكفي أن يبقى المسيحيون شهوداً على ما يحدث، ولا أن يكتفوا بالتحسر على الماضي أو انتظار حلول تأتي من الخارج. المطلوب يقظة روحية وعملية، يقظة تعيدهم إلى الأرض، إلى الزراعة، إلى إنتاج غذائهم، إلى بناء مجتمعات صغيرة مكتفية ذاتياً، إلى إعادة ترميم العائلة، إلى تقوية الروابط بين القرى والبلدات، إلى إنشاء شبكات دعم اقتصادية وتعليمية، وإلى بناء نمط حياة يحميهم من الانهيارات المتتالية. العودة إلى الأرض ليست شعاراً رومانسياً، بل استراتيجية بقاء، لأن من يملك غذاءه يملك قراره، ومن يملك أرضه يملك مستقبله، ومن يبني مجتمعه يملك القدرة على الصمود في وجه أي تحوّل عالمي.

المسيحية في الشرق ليست طائفة تبحث عن حماية سياسية، بل مشروع حياة يقوم على العائلة، التعليم، العمل، الأخلاق، الحرية، والارتباط بالأرض. وإذا أراد المسيحيون البقاء، فعليهم أن يتحولوا من جماعة تعتمد على الدولة أو السوق إلى جماعة قادرة على إنتاج أمنها الغذائي، واقتصادها المحلي، وتعليمها، وإعلامها، وروحها. إن النهضة المسيحية الجديدة لن تأتي من خطاب سياسي، بل من وعي جماعي بأن البقاء لم يعد مضموناً، وأن الهجرة ليست قدراً، وأن الأرض ليست مجرد مساحة، بل هوية وامتداد روحي ووجودي.

هذا التحقيق هو دعوة إلى الاستيقاظ، إلى أن ينهض المسيحيون من سباتهم الطويل، إلى أن يقرأوا العلامات، إلى أن يستعدوا بلا خوف، وأن يبنوا مجتمعاتهم بقوة، وأن يعودوا إلى الزراعة، وأن يزرعوا القمح والخضار والأشجار، وأن يخزنوا ما يكفي من الغذاء، وأن يتعلموا مهارات الحياة الأساسية، وأن يعيدوا بناء الروابط بين العائلات، وأن يبقوا يقظين تجاه التحولات العالمية التي تعيد رسم شكل السلطة والاقتصاد والغذاء والتكنولوجيا. وكما يقول الكتاب المقدس: "Watch ye therefore, and pray always" - Luke 21:36.

إن لم يستيقظ المسيحيون اليوم، فلن يستيقظوا أبداً. وإن لم يعودوا إلى الأرض الآن، فلن يكون لهم أرض يعودون إليها لاحقاً. وإن لم يبنوا مجتمعهم اليوم، فلن يبقى مجتمع يُبنى غداً. هذه ليست دعوة إلى الخوف، بل إلى النهضة، إلى أن يصبح المسيحيون قوة واعية، مكتفية، متماسكة، قادرة على حماية نفسها، وعلى البقاء في أرضها، وعلى صناعة مستقبلها. ومن يريد أن يكون جزءاً من هذه النهضة، فليبادر، فليبنِ، فليزرع، فليتحد، وليعلّق، لأن بناء مجتمع مسيحي قوي يبدأ بكلمة، بفكرة، بخطوة، وبقرار أن البقاء ليس صدفة... بل إرادة.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment